أن لا آتي متأخراً ولو لمرة واحدة!.

مقدمة لابد منها

وكعادتي دائماً، أدخل لعالم التدوين متأخراً، بعد أن أوشك على الأفول تقريباً!. منذ الأول ابتدائي وأنا أجلس في الصفوف الأخيرة. لا أحب المركز الأول أبداً، لأكن دقيقاً، منذ أن حدثت تلك الحادثة لي في المدرسة الابتدائية والتي كانت عبارة عن عملية تزوير في درجاتي أدت لفوز الطالب الذي يمت بصلة قرابة قوية لأحد الإداريين المهمين في المدرسة، بالمركز الأول وكان نصيبي المركز الثاني. منذها زهدت في المنافسة أو الرغبة في التفوق!. كان طعم الظلم مراً في فمي، إنه الطعم الذي يمنعني، يا سادة، حتى هذه اللحظة من الفرحة في الإنجاز مهما كان!.

تخرجت من الجامعة ولم أحتفل أو أخبر أحداً، توظفت وظيفة جيدة ولم أحتفل، أنهيت الماجستير متفوقاً على جميع الظروف التي مررت بها ولم أحتفل!. كان كل إنجاز لي يذكرني بذلك الإنجاز الذي حُرمت منه وبكيت بسببه حتى أغرقت ثوبي الجديد!. ذلك الثوب البائس الذي لم ألبسه بعدها إطلاقاً. وللمفارقة لازلت أذكر لونه، ومن نافلة القول لم ألبس منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم أي ثوب بنفس اللون!. لازلت أتذكر لونه البائس وكيف تغير بسبب موجة الدموع التي أغرقته!.

أوه، والله لم أكن أود الوصول إلى هذه النقطة في حديثي!. قاتل الله العقل الباطن، أنه “مزبلة” حياتنا التي ينبغي علينا التخلص منها ولكن كيف؟!.

نعود للحديث عن الأمكنة والصفوف الأولى، لا أتذكر طوال حياتي الدراسية أنني قد زاحمت الجالسين على الكراسي الأولى أو تعمدت الدخول باكراً للصف أو القاعة، وكان ذلك يدخلني بمواقف غير جيدة مع الأساتذة فعند حدوث أي إزعاج أو مشكلة ترمقني الأبصار بأنني ورائها أو على علم بمن تسبب فيها. وأنا، المسكين، المنفصل دائماً عن ما حولي لا أعلم ماذا حدث ولا أريد أن أعلم حتى!. لا أحب الحضور مبكراً حتى في الامتحانات النهائية، ولا أذكر أنني قد دخلت امتحانا قبل مضي عشرة دقائق على الأقل من بدايته!. أتذكر موقف طريف حدث لي مع الدكتور عبدالمجيد الأقطش وكان يدرسنا مادة النظام السياسي في الإسلام، كنت أجلس في الخلف والقاعة كبيرة جداً وكنت دائماً ما أتداخل معه أثناء الشرح وكان على ما يبدو لا يسمعني جيداً ربما لأن أوتاري الصوتية كسولة جداً في قذف الحروف من مخارجها حتى تستقر في أذان المستمعين، فغضب مني في أحد الليالي، وكانت المحاضرة بعد صلاة المغرب، فقال: “يا زلمة بدك تحكي تعال قدّام هون عندي حتى أسمعك”، ومع رغبتي في النقاش إلا أنه هزمني بدعوته لي أن أكون في مقدمة القاعة فسكت وانثنيت على مذكرتي أحاول أن أرسم ذلك الثوب الغارق في الدموع!. موقف آخر مع أستاذ التاريخ السعودي في جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله المطوع حينما كنت أدرس معه مادة تاريخ المملكة العربية السعودية، كنت دائم المشاركة في المحاضرة وكنت في الخلف لوحدي وكالعادة تخونني الأوتار الكسولة والغبية في قذف حروفي المسافة المطلوبة فقال لي مؤنباً: ” ترى طلاب التاريخ ما يخوّفون، كنت أنا طالب الصيدلة أدرس هذه المادة كمادة حرة مع طلاب قسم التاريخ، قرّب شوي حتى أسمعك زين”. كانت نظرته الحادة كنصل كافية لمنعي من التداخل معه إلى نهاية الفصل!.

حادثة الثوب الغارق بالبكاء، وإن كانت قتلت بي الرغبة في المنافسة والتفوق إلا أنني أعتقد أنها أنقذتني من اللهاث خلف المراكز الأولى والمناصب صغرت أو كبرت. عندما أتذكر هذه الجزئية تحديداً أشعر بأن هناك في كل شر قد يحدث لنا يوجد مقدار من الخير فيه ربما لا نراه إلا بعد زمن قد يطول.

حوادث التأخير كثيرة، لعلها أصبحت عادية، بل أصبح من المستغرب حضوري مبكراً عند من يعرفني أو الجلوس في الأماكن المتقدمة في القاعة.

كانت والدتي غفر الله لها دائما ما تقول لي عندما آتي بعد فوات الأوان لأي سبب كان:” أنت يا وليدي معاقب الشتاء بزربولين” أي أنت مثل الذي كان يمشي في الشتاء حافياً وبعد نهاية الشتاء قام بشراء حذائين ولبسهما، و”الزربول” هو لفظة تركية تعني الحذاء(أحسبوها فائدة من هذه التدوينة).

صدقت غفر الله لها، دائماً ما آتي بعد فوات الأوان ولا أسئل عن السبب ولا ماذا حدث.

أظن، وظني لا يغني من الحق شيئاً، أن عصر المدونات أفل أو قد أوشك على الأفول، ومع ذلك قادتني الرغبة المتأخرة دائماً أن أدخل هذه الليلة من هذا الباب الموارب لأقول لكم، أنا هنا، ولكن هل هناك من احد؟!. لا يهم، أنا هنا لألقي التحية لوالدي، ذلك الرجل العظيم الذي خرج من منزله صباحاً وغادرنا بدون تلويحة وداع تليق بمقامه الكريم.

التدوينة القادمة عن ولوالدي رحمه الله……..

الكاتب: aazizrowiliy

عابراً في مفازة الكلام، أحدو خلف نياق المعنى في التيه! aazizrowiliy@gmail.com

4 رأي حول “أن لا آتي متأخراً ولو لمرة واحدة!.”

  1. تجيد الغوص في المشاعر تلتقط أوهن الخيوط لتبني بيتاً متماسكًا صلبًا . جميييل جدًا أنت

    إعجاب

  2. كلماتك تصل الى اعماق القلب…. جمال الوصف… قرات تلك المدونه كثيرا… راق لي قلمك… شاكره للصدفه التي قادتني الى مدونتك…
    تستوقفني الكلمه… ويستوقفني الموقف… وقلمك جمع الجمال بالوصف…
    بارك الله لك في هذه الموهبه التي تستحق ان تنافس من اجلها بالمراكز الاولى

    إعجاب

اترك تعليقًا على غصن الورد إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: