تائه في مفازة الأعراف

تائه في مفازة الأعراف

اسمه نواف! هكذا خٌلق فجأة وهكذا عرف نفسه فجأة! كان شاباً وسيماً أنيقاً، عاش في المخيلة لأعوامٍ طويلة يمارس لهوه ومغامراته، يتصارع مع فشله ويستمتع في نجاحاته! كل ما يمكن أن يخطر على بال شاب من صفات جميلة موجود فيه وكأنما خُلق كما يشاء! ومع ذلك كان نزقاً لا يعرف للصبر معنى، متهوراً لا ينتبه لعواقب الأمور، هشاً من الداخل، فلربما هزمه حدث عاطفي بسيط فيجعله يتساقط من الداخل تساقطاً مريعاً وقاتلاً! لم يعجبه الوضع الذي يعيشه كثيراً برغم من كل صفات الجمال التي يمتلكها وأولها ملائكيته التي يُحسد عليها! كان يريد حياة أخرى لم يخلق لها، حياة تشبه حياة خالقه أو تتماها معها بطريقة أو بأخرى!

كانت مأساته الكبرى، حسبما يظن، تكمن في أنه لم يستطع الزواج بالفتاة التي يحبها بالرغم من كل ما يملك من قوة مجتمعية وصفات مادية ومعنوية تؤهله بأن يحصل على ما يريد دائماً وأبداً! وربما لذلك أو لأسباب أخرى كان دائماً ما يشعر بأن هناك ما ينقصه. يؤذيه نقصانه وعجزه، يقتله مجازه! ويفكر في حقيقته فتخيفه أقداره التي تُنسج له في تلك المخيلة التي لا يستطيع معرفة ماهيتها ونوعيتها والتي دائماً ما يحاول الهرب من التفكير فيها. الأسوأ من هذا كله أنه منذ مدة طويلة وحياته واقفة لا حركة فيها فلم تجرِ له أحداث ترضيه فهو إما يستوطنه السكون وإما يجتر الأحداث القديمة التي عاشها هو وأسلافه!ق

 يشتم المخيلة كثيراً، تلك المخيلة التي أُصيبت بتبلد قاتل لا يعرف أسبابه، ولكنه في نهاية الأمر تتراجع حدة شتائمه فهو يعلم بأن سعادته، بل ومصيره بالكامل، مرتبط بتلك المخيلة! يؤذيه أكثر تشتته في تلك المخيلة بين أحداث كثيرة وكبيرة كان يجب عليه أن يخوضها أو يمر بها، لا يقلقه التعامل مع تلك الأحداث فهو أمر بسيط، ولكن يقلقه هو هذا السكون الذي يعلقه على مقاصل الانتظار في انتظار خالقه وما يجود عليه به من أحداث وحياة!

زيادة الوعي الشديد وجرعاته المتتالية والتي كان خالقه يحقنها في ليل نهار في زمن سابق جعلت من نواف يتشجع كثيراً محاولاً التحليق خارجاً عن السرب محاولاً بذلك أن يمسك بزمام نفسه ليعيش حياته التي يريد لا كما يُراد له!

في لحظة سهو، ألتفت نواف للخلف فرأى الحياة على مرأى حلم أو هكذا ظن! تنهد كثيراً، همهم قائلاً: “هذا ما كنت أبحث عنه”! بقي محافظاً على حلمه طويلاً أو هكذا ظن فهو لا يعرف حقيقة الزمن الفيزيائي أصلاً وما يجري فيه! كانت الحياة تنبعث من شرفة الأمل والتي لا يعلم متى وجدت، بقي يتتبع تلك الشرفة ويراقب من فيها ويحاول أن يسترق السمع للأحاديث التي قد تدور فيها فقلبه قد تعلق بها وما يتخيله بأنه حلم لم يفكر فيه من قبل قد بدا وكأنه قاب قوسين أو أدنى!

مرت عليه أيام لا يستطيع قياس مسارها الزمني، كان يسترق السمع برهافة للأحاديث التي تدور في الشرفة، عدة مرات سمع جزءًا من حكايته أو حكاية أهله وهذا ما جعله يداوم على الجلوس قريباً من تلك الشرفة، بل أنه أتخذ له فراشاً تحت تلك الشرفة وأصبح هذا الفراش مكانه الوحيد الذي لا يفارقه أبداً!

وفجأة، وفي ليلة ديسمبرية باردة وعندما كان نائماً، سمع حديثاً عابراً وهامساً ينطلق من تلك الشرفة الوحيدة التي رآها في حياته، سمع اسمه يُنطق بهمسة جميلة. لم يفهم الحديث بمجمله، كانت الرياح شديدة وباردة جداً وأكثر الكلام تأخذه تلك الرياح قبل أن يستقر في إذن نواف. ولكن في لحظة سكون مؤقت لتلك الرياح سمع شيئاً غريباً لم يسمعه منذ أن وجد تلك الشرفة، كان حديثاً طويلاً وجميلاً، ولكن لم يرسخ في ذاكرته إلا تنهيدة دافئة انتهت بعبارة مربكة: “حتى أنا والله”!

تشتت نواف، تفتت نواف، انتبه بأن عمره الماضي لم يكن عمراً أصلاً وأن المخيلة ليست وطناً يليق بمن هو مثله وأنه يحتاج للحياة التي رآها عندما ألتفت للخلف! عندما حاول العودة للخلف، إلى ما رأى بدأت روحه بالتلاشي، جسده بالذوبان، أفكاره بالتسامي! كان في كل خطوة يخطوها يرى بأنه يسير للموت، الموت الذي كان يتمناه، ولكنه لم يتفهم كنهه! فهم أخيراً بأنه إذا أراد الخروج فعليه أن يتخلص من حياته، من كونه محض خيال ليعود جنيناً حقيقياً يولد في زمن آخر!

أخافه مجرد التفكير في معصية خالقه، لكن من ناحية أخرى كان قد فاض به صبره من إهمال ذلك الخالق له لوقتٍ طويل لا يعرف مدته! كان القرار صعباً عليه، ولكنه رأى بأنه النجاة من سجنه الذي سُجن فيه بغير إرادته! هكذا ظن، وإن كانت الحقيقة لا تعدو كونها تتلخص في ماهية تلك الحياة المُتمناه التي فتنته عندما شاهدها لأول مرة، فتنته كما فتنت غيره!

عاد جنيناً، غادر المخيلة إلى غير رجعة أو هكذا تمنى أو ظن، وعبر إلى مفازة الأعراف! فرح كثيراً في الأعراف في أيامه الأوّلْ. كان يظن بأن هدوء الأعراف، ووحشته وسكينته وخوفه مسألة قابلة للاحتمال باعتبارها فترة مؤقتة لا أكثر! مفازة الأعراف خافت أيضاً فهي لم تعتد أن يعبر بها مثل نواف عوضاً على أن يستوطنها لفترة لا تعلمها! رضي نواف بالأمر رجاءً بالقادم الجميل المُشتهى!

قضى نواف وقته الذي لا يشعر به يبذر الأمنيات التي يريد أن يعيشها، ولكنه لا يعرف ما هي الأمنية المشتهاة فهو لا يعرف شيئاً أصلاً، ومن كان مسئولاً عنه لم يعد يأبه به كثيراً، تركه معلقاً في الفراغ!

مع مرور الأيام التي لا يعيها على وجه اليقين بدأ وكأنه يشعر بعبثية قراره وتسرعه فيه. فالشرفة، التي وجدها قد انتقلت معه للمفازة بدون أن يجد تفسيراً لذلك الانتقال، قد بنت عناكب الغياب بيوتها عليها ولم يعد يستطيع أن يسترق منها حديثاً واحداً باستثناء أحاديث متفرقة لا يفهم منها حرفاً واحداً! والحياة التي لفتت انتباهه لم يعد يشاهدها لا لسبب سوى أن الأعراف مُحاطة بأسوار لا متناهية الارتفاع! طال انتظاره أو هكذا ظن.

في ليلة باردة تسرب إليه صوت لازال يستذكره، بل يعرفه جيداً، وإن كان ممتلئاً بالوهن والدمع، ويعرف نبرته: “والله عجزت”! آه العجز موت! هذا الشيء حعايشه كثيراً في احد المخيلة وانتصر عليه كل مرة، ولكنه وقتها كان فارساً يمتلك خياراته وأسلحته أما الآن وهو في الأعراف وهو في شكل جنين هلامي لا حول ولا قوة له. كيف يفعل؟ وهو يعايشه منذ أن دخل إلى هذه المفازة، ولكنه كان يعتذر لنفسه بأنه لا إرادة له فلا سبيل له الآن إلا بالصبر والانتظار لعل الأيام تعطيه حريته المُشتهاة!

بقي يرتجف في مكانه، الحياة لم تأت والأعراف بدأت تضيق عليه من أطرافها أو هكذا توهم! حاول الالتفات للباب الذي عبر منه منذ زمن، أصبحت المخيلة التي هرب منها حلماً لا يستطيع الوصول إليه فقد ألتفت ناحيتها، ولكن لا ويا للصدمة لم يجد شيئاً! كانت أسوار الأعراف مصمتة ولا متناهية الامتداد. هجم على المكان الذي ظنه الباب الذي عبر منه، لكنه لم يجد شيئاً! قطعة من السور اللامتناهي! حاول أن يصرخ، أن يتحدث، يسأل، يتوسل، ولكنه لم يستطع! لم يستطع لأنه جنين هلامي لا وجه له، لا فم له، لا صوت له! فقط روح، روح صغيرة جداً كانت تنفخ فيه قليلاً ومن ثم تخبو، روح فقط تبقيه على قيد الوعي لا أكثر!

كان يقتله الندم وهو لا يستطيع التعامل مع عجزه وهلاميته وقدرته المعدومة، وخاصة عندما يتذكر كونه شاباً وسيماً ومحبوباً، يعيش خيالاً جميلاً، خيالاً كان يغني عن واقع بئيس كواقعه الذي يعيشه الآن! حاول التخلص من هلاميته، من وضعه “الجنيني” الذي سجن نفسه فيه لكنه لم يستطع، بحث عن ثوب نواف الذي خلعه لكنه تذكر أنه قد خلعه خارج المفازة. مر من عمره زمن لا يعيه وفي ليلة باردة كانت ساكنة بدون أي رياح وإن كان بردها يقتل الروح بقسوة سمع حديثاً متقطعاً ومنهكاً وحزيناً من داخل تلك الشرفة! مع بداية الحديث بدأت الرياح تزمجر وتبعثر كل شيء في المفازة لذلك التصق بكل ما يملك بالجدار الذي يحمل الشرفة. انتهى الحديث سريعاً ولم يسمع منه سوى “طيب، نوفمبر”!

تساءل ما بينه وبين نفسه: “وما نوفمبر؟” لكنه لم يجد جواباً. عادت الشرفة لهدوئها فلم يعد يسمع فيها أي حركة. عاد من جديد يدور حول الأسوار اللامتناهية الامتداد للمفازة من الداخل ولا يجد فيها مخرجاً واحداً أو حتى نافذة صغيرة تأتيه بضوء بغض النظر عن مصدره! كانت الرحمة التي مُنحت له تكمن في هلاميته وخفته، فحركته سريعة، بل لا متناهية السرعة فلا جسد يثقله وبالتالي فلا أقدام تؤلمه من طول المسير. كان ينتقل من مكان إلى آخر بمجرد أن ينوي القيام بالانتقال، ولكنه انتقال لا معنى له!

بعد فترة أوحي إليه ولا يدري ما مصدر ذلك الوحي بأن حياته تكمن في آخر جملة سمعها تأتيه من تلك الشرفة و………….!

………………………..

الكاتب: aazizrowiliy

عابراً في مفازة الكلام، أحدو خلف نياق المعنى في التيه! aazizrowiliy@gmail.com

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: