جدتي الحجيّة

منذ أن وعيت نفسي وأنا لا أعرف أسماً لجدتي، وهي والدة والدتي رحمهما الله جميعاً، إلا “الحجيّة”، كان أسمها دائماً يتردد على مسامعي “جدتك الحجية، جدتي الحجيّة”. لم أعرف اسمها إلا في المرحلة المتوسطة، كان ذلك مفاجئاً على نحو مدهش، ففي ذلك اليوم كانت جدتي مريضة جداً فأتي أخي لها بالطبيب للمنزل. أعطاها الطبيب المحاليل الوريدية المغذية وكتب لها الأدوية في الوصفة وعندما وصل لأسم المريضة ألتفت لي وسألني عن الاسم فقلت له بدون أن انتبه:”جدتي الحجية”، انتبهت لنفسي بعد أن ضحك الدكتور ضحكة صغيرة نبهتني لغلطتي. حاولت أن أتذكر اسمها ففشلت. دخل أخي الأكبر مني فأخبرته بأنهم يريدون اسم جدتي فقال بتلقائية “شيحة حسن”!!.

هه؟، إذن هذا هو الاسم الذي اسمعه لأول مرة في حياتي!.

منذ أن خرجت للدنيا وجدتي تسكن معنا في بيت الشعَر مع والدي ووالدتي رحمهم الله مع أخوتي الأربعة. والدي رحمه الله كان يعاملها بأحترام كبير، ولذلك كانت الملجأ لنا عندما نقع في الأخطاء ونخاف من عقاب الوالد رحمه الله. كان يكفينا أن نهرب بأتجاهها ونختبي خلفها لتقول لوالدي:”هالمرة بوجهي يا بو مناحي”، لينتهي بعدها كل شيء. كانت هي جنتنا التي نأوي لها كل ليلة لتروي لنا “الحجاوي” الجميلة فتروي لنا حكايات “تريترة” و”مي وشقيقاتها”، و”نخاشة صدع مروان” و”سعد راع النعايم”، والكثير من القصص التي لازالت نائمة في عقلي الباطن!. كانت في كل مرة ترويها لنا، نسمعها وكأنها ترويها لأول مرة، تمتلك مهارة سردية ساحرة وعالية وممتعة. أيضاً كانت تروي لنا في وجود كل أفراد الأسرة كثير من الأحداث التي عاشتها وعانتها.

لازالت حكاياها نائمة في ذاكرتي، تستيقظ بين فترة وأخرى، أداعبها وابتسم، وأحياناً أضحك، وعندما تتداهمني دمعة خجلى “أهدهد” تلك الحكايا لتعود لنومها وأعود أنا لأغرق في انشغالات الحياة وتفاهاتها!.

منذ أكثر من شهر وتلك الحكايا تستيقظ في ذاكرتي وترفض أن تنام مرة أخرى. تجاهلت الأمر إلى أن أصبحت غير قادر على التحكم فيها بعد أن بدأت تلك الحكايا تتظاهر في ذاكرتي وتثير الضوضاء فيها.

لذلك رأيت أن أشارككم بها فلربما بلغت تلك الحكايا سن البلوغ وشبت عن الطوق ورأت أنها وصلت للحد الذي يسمح لها بالخروج وتكوين شخصيتها الاعتبارية للجميع!.

ولدت جدتي في عام ١٣٢٩هـ تقريباً، وهي السنة التي يسميها الرولة في تواريخهم “سنة مقيظ العراق”. وبعد ولادتها بسنة ذهب والدها إلى العراق ليمتار لأهله ولكنه لم يرجع من سفره أبداً. لم يبحث عنه أحد لأن البدوي في ذلك الوقت إذا لم يرجع لأهله فأنه يكون قد قُتل لا محالة في الطريق حيث تستيقظ الصحراء في كل صباح وهي تستسقي الدم من أجساد العابرين!.

بعدها بسنة أخرى توفت والدتها بمرض الجدري الذي يزور الأرض كل عدة سنوات فيُدخل من يختار إلى جوف الأرض بعد أن كانوا فوقها ويغادر بعد أن يملأ الفضاء بالخوف والبكاء!.

بقيت جدتي ذات الثلاثة أعوام مع شقيقتين أكبر منها بعدة سنوات وشقيق كان هو الحياة لها اسمه “عدهان” للتو قد شارف سن البلوغ وهو السن الذي يبلغ فيه الفتى في ذلك الوقت مبلغ الرجولة والفروسية!. تعلقت به بحيث كانت لا تفارقه إلا إذا كان مسافراً أو مرافقاً لإبل القبيلة لحمايتها من الأعداء.

عندما كانت في الخامسة من العمر وفي ليلة صيفية جميلة بقيت تفاصيلها الدقيقة في ذاكرة جدتي إلى أن انتقلت إلى رحمة الله. كان عدهان يشوي لها “جربوعاً” قد صاده قبل غياب الشمس. وبعد أن نضج الجربوع وأخذته بيدها لتأكله، قام أحد أصدقاء عدهان نكاية به بخطفه والهرب به فما كان من عدهان إلا أن قام بمطاردته وأخذ الجربوع المشوي وأعاده لشقيقته الصغيرة وهو يقول لها: “ما ياخذون جربوعتس وأنا حيٍ راسي يشم الهوا يا خيّة”. أكلت جربوعها في تلك الليلة ونامت وهي تحلم بغدٍ جميل كيومها الذي عاشته. بعد أن نامت أخذ عدهان بندقيته وذهب خلف الإبل التي كُلّف بحمايتها تلك الليلة.

في منتصف الليل الدامس، وعندما كان لوحده، هاجمه الغزاة الذين كانوا من شمر. قام عدهان بإرسال الراعي لأستدعاء فرسان القبيلة وأختفى بين الإبل. بدأ إطلاق النار وكان عدهان ينتخي بـ:” راعي الخطلا وأنا أخو عمهة” و”عمهة” شقيقته الكبرى. من المؤكد أن المعركة استطالت لتأخذ عمراً بأكمله في ذاكرة عدهان وهو يلقم بندقيته الرصاص في كل مرة.

كان الظلام حالكاً بحيث لا يرى عدهان أحداً ولذلك كان يطلق النار بعد أن يحدد جهة الصوت الذي بدأ يسقط في جوفه من أفواه الغزاة ممتلئاً بـ”النخاوي”. لم تطل المعركة لأكثر من ربع ساعة بعد مقتل ثلاثة من المهاجمين. ترك الغزاة الغنيمة بعد أن يأسوا منها ولم يعرفوا بأن من يقاتلهم كان شخص واحد بمفرده وأنهم قد أصابوه بجرح قاتل. أصيب عدهان برصاصة في بطنه في بداية المعركة وبدأ الجرح ينزف ولكنه لم يهتم به كثيراً، كانه همه الأكبر هو منع الغزاة من الأستيلاء على الإبل. بعد مدة قصيرة وصل فرسان العشيرة ووجدوا عدهان في النزع الأخير. أسلم عدهان الروح وهو يوصيهم خيراً بـ”راعية الجربوع”.

في الصباح استيقظت راعية الجربوع وسألت عن عدهان فأخبرتها أختها الأكبر منها سناً “عمهة” بأنه قد مات البارحة ودفنوه بعد طلوع الشمس. لم تفهم الصغيرة ماذا تعني كلمة الموت وكيف هي عملية الدفن. قامت عمهة بحفر حفرة صغيرة ووضعت فيها قطعة حجر صغيرة ودفنتها بالتراب وقالت لها بأن الموت يكون هكذا. أكثر من سبعين سنة مرت وهي ترويها لنا وفي كل مرة ترويها وكأنها قد عاشت جميع أحداثها البارحة!.

بعد أكثر من ثلاثين سنة من مقتل عدهان، وبعد توحيد الوطن الكبير في دولة واحدة، تقابل رجل شمري مع أحد أبناء عم عدهان في موسم الحج وبعد أن تعارفوا فيما بينهم سأل الشمري قائلاً:” يا بعد حيي ما عينتوا عدهان أخو عمهة؟”، رد الرجل:”أكلتوه يا شمر!”، أي أنكم قد قتلتوه. فرد الشمري برجولة قديمة متعارف عليها:”لا والله يا بعد حيي هو اللي أكلنا ماهو حنا اللي أكلناه، ذبح منا ثلاثة وهجينا وخلينا له البل بمراحها”!.

ذهب عدهان في نفس الطريق الذي ذهب فيه أكثرية أسلافه، وبقيت جدتي تردد عبارته لأكثر من سبعين سنة:”ما يا خذون جربوعتس وأنا حيٍ راسي يشم الهوا يا خيّة”.

نشأت يتيمة واليتم صعب دائماً ولكنه كان في ذلك الوقت شيء يشبه الموت أو أسوأ قليلاً!. بعد بلوغها أُجبرت على الزواج من ابن عمها، وذلك لأن الفتاة في ذلك الوقت ليس لها إلا ابن عمها كما تنص قوانين البادية غير المكتوبة. كان جزء كبير من أسباب هذا الزواج هو المحافظة على الإرث الذي نالته والذي لم يتجاوز عشر من الإبل ولكنه في تلك الفترة يعتبر ثروة لا ينبغي التفريط بها لكي لا تذهب خارج العائلة الكبيرة. تزوجها ابن عمها والذي لم تكن تنظر إليه إلا كشقيقٍ لها منذ أن خرجا للدنيا. شقيق ربما يعوضها ولو قليلاً عن عدهان!. فقدكانا في صغرهما يلعبان مع بعضهما البعض ولا يفترقا إلا للنوم. بكت كثيراً وهي ترفض ذلك الزواج الأخوي ولكن لم يُستجب لتلك الدموع الطاهرة فتم الزواج بصورة مبسطة، كان زواجاً أخوياً حقيقياً بحيث لم تسمح له بالاقتراب منها وعاشا كأخوين حقيقين لمدة سنتين تقريباً!.

بعد مرور سنتين قالت له:”أطلبك رقبتي يا خيي”، وتعني بذلك رغبتها في الطلاق منه. طلقها وبعد مدة تزوجت بجدي وأنجبت منه “سعود” الذي تمت تسميته تيمناً بـ”ابن سعود” الذي بدأ في مشواره الطويل لتأسيس دولته الحديثة وثلاث بنات أوسطهن والدتي.

توفي زوجها وهي حامل فأضطرت لتحمل المسؤولية كاملة، فكانت ترعى الإبل في النهار وتهتم في بيتها الصغير في الليل. فاجأها المخاض ذات صباح وهي مع إبلها في شعيب ممتلئ بشجر الأرطى في النفود. حدثتني رحمها الله بأنه عندما اشتد بها الطلق كانت تصعد رأس “الطعس” و”تتهدي” نفسها من رأس الطعس إلى أسفله. فعلت ذلك عدة مرات إلى أن سهّل الله ولادتها وأنجبت طفلة صغيرة. “سررت” الطفلة وأخذت “ملفعها” ووضعتها فيه وعادت إلى بيتها في المساء. قامت بتسميّة البنت بـ”رطيّة” نسبة لشعيب الأرطى الذي ولدت فيه. مرت عدة أعوام زارتهم خلالها الأمراض التي تتناوب على زيارتهم كل سنة كالطاعون والجدري والحصبة فأخذت معها سعود ورطيّة والفتاة الأخرى وتركت لها والدتي لتؤنس وحدتها الطويلة!.

وفي وقت كان الجهل الديني كبيراً تعلق قلبها بالصلاة والحج، وما أدراكم كيف كان الحج في ذلك الزمن؟!.

حدثتني رحمها الله بأنها قد ذهبت للحج أربع مرات على ظهور الإبل. كانت تقول لي بأنهم ينطلقون في رحلة الحج في اليوم الرابع لعيد رمضان ويصلون لمكة المكرمة في نهاية شهر ذي القعدة. يسيرون فيها لأكثر من خمسين يوماًالصباح حتى المساء ويرتحون في الليل. وبعد أن ينتهوا من الحج يغادرون للقدس ولزيارة المسجد الأقصى، ويطلقون على رحلتهم تلك “يقدّسون”، وبعد أن ينتهوا من زيارة المسجد الأقصى يبدأون في البحث عن أهاليهم وتسقّط أخبارهم وأين هي منازلهم في تلك الصحاري المترامية الأطراف.

رحلة حج تمتد لسبعة أشهر وأكثر مع ما يرافقها من أهوال وتعب. عندما استرجع تلك القصص أهمس فيما بيني وبين نفسي:”أي إيمان حقيقي يسكن بين جوانحهم”؟!.

بعد أن أفل عصر الإبل حجت جدتي ثلاث مرات في سيارات الشحن الألمانية الكبيرة والتي يُطلق على أهل البادية “ست روس”. كان صندوق السيارة يتكون من طابقين، طابق للرجال وآخر للنساء.

الغريبة أن رحلات الحج تلك المملوءة بالتعب كانت بالنيابة عن أهلها وليست لها بعد أن أدّت فرضها لأول مرة، فقد حجت عن والدها ووالدتها وشقيقاتها وأعمامها وبنات عمها، ومن لم تحج عنه شخصياً، أرسلت له فيما بعد من يحج عنه ودفعت كامل تكاليف تلك الحجة بطيبة نفس. سألتها غفر الله لها ذات يوم:”يا جديدتي ما خليتي أحد ما حججتي له؟”، ردت علي بهدوء وصوت خافت:”يا وليدي هضولا ما لهم أحد يحج عنهم”!. كان يتراءى لي النور وهو يخرج من بين شفتيها وهي تتكلم.

كانت كثيرة الصمت، لا تقول إلا خيراً ولا تأمر إلا بخير. أما إذا تحدثت فحديثها آسر جداً.

في سنيها الأخيرة بدأت نفسها تعاف الأكل فلا تأكل إلا الذي بالكاد يقوم بأودها، وكم مرة عاتبتها في قلة الأكل فلا ترد علي إلا بعبارة واحدة:”يا وليدي تسبدي ما تكهمه”، أي أن نفسي لا تشتهي الأكل. في عامها الأخير وفي ليلة سفري إلى الرياض مع بداية السنة الدراسية كنت جالساً معها ممسكاً بقدميها، فقلت لها مداعباً:”ماش يا جديدتي ما باقي إلا عظيمات، لازم تاكلين يا جديدة”. نظرت لي وتنهدت، ثم ابتسمت ابتسامة الرضا وتمثلت بهجينية مشهورة:

جهدنا نمشي على الرجلين

والهرج نعرف ملاحيظه

وأكملت:”والله يا وليدي ياما مشن من ديار لديار وهالحين يالله حسن الخاتمة”، أي أن هذه الأقدام قد قطعت مسافات هائلة جداً. أوجعني ردها وتمنيت بأنني لم أتكلم بما تكلمت به.

في ظهر يوم خريفي من عام ١٤١٣هـ توضأت الحجيّة لصلاة الظهر وكانت قد بلغت من الهزال مبلغه. جلست في فراشها واستقبلت القبلة ورفعت يدها مكبّرة لصلاة الظهر وبعد أن أنزلت يديها مال رأسها لليمين وانتهى كل شيء. رحلت بهدوء لا يشابهه إلا هدوء حضورها. ما يوجعني هذه اللحظة أنني لم أكن موجوداً عندما لوحت للكل بروحها قبل أن تلحق بعدهان لعله يأتيها بجربوع آخر يشبع بعض نهمها له!.

نسيت أن أقول، لقد حجت ولآخر مرة مع أهلي في عام ١٤١٢هـ، وكأنها تودع الأرض التي عبرتها مراراً وتكراراً في مختلف وسائل النقل المتاحة.

ورغم كل ما سبق أعلاه فإلى الآن لم أكتب “الحجيّة” كما أردت!.

تنويه:

أشعر بأنني في ورطة كبيرة فأنا أكتب لقراء غالبية قيمهم ومعارفهم ومفاهيمهم مختلفة جداً عن هؤلاء الذين أكتب عنهم ولذلك لا يستطيع البعض فهم أو تصديق ما أتحدث عنه!. مشكلة كبيرة جداً ولكنني مجبر على الكتابة، إن الكتابة عنهم بالنسبة لي هي كالدين الذي يجب علي سداده لكثير من الرواة الذين قذفوا حكايتهم في جب ذاكرتي ومضوا في دروب الزمان!.

أول يوم دراسي… ووحدي أعود!.

أول يوم دراسي… ووحدي أعود!.

كان ذلك من زمن لا أتذكره وإن كنت لا زلت أعيشه!. كنا نسكن في مدينة طريف، طريف التي كانت أحد مدن الحداثة في الوطن ذلك الوقت قبل أن تدخل غيبوبتها الطويلة. حارتنا التي كنا نعيش بها كانت تحمل اسم “حارة الرولة”، وهذا يعني أن غالبية أهلها من نفس القبيلة. ولكن كان هناك ما يميزنا عن بقية أهل الحارة فقد كنا نعيش في بيت من الشعَر، نعم بيت من الشعَر ولكنه كان كأنه من الشِعر لرقته وحنوّه، يطلق عليه مسمى “مثولث”، بينما بقية بيوت الحارة مبنية من الطين والبلك.

كان أبي رحمه الله يعمل جندياً في حرس الحدود ومقر عمله في المراكز الحدودية في صحراء الشمال المترامية ولذلك كان دائم الغياب وكنت في صغري لا أراه إلا لماماً. أتت المدرسة ولا أدري كيف أتت، فقد كنت مشغولاً عنها بملذات حياتي البسيطة، ولكنها أتت!.

قيل لي بأن أتجهز للذهاب مع شقيقّي الأكبر مني سناً للمدرسة. في الصباح استيقظنا كعادتنا، فنحن في ذلك الزمن الآفل نستيقظ عندما تبادر الشمس بإلقاء تحيتها الصباحية المعتادة، ولكن الوضع بالنسبة لي أختلف، فقد كنت في السنوات السابقة أودع أخواني وأتابعهم ببصري إلى أن تسرقهم مني “تعاريج” الطريق!. أختلف الأمر اليوم فقد كان لابد لي أن أشاركهم تلك “التعاريج” التي لا أعرفها وأكتشف بنفسي أين ستؤدي بي في النهاية.

في الصباح جهزتني والدتي رحمها الله بأفطار مكوّن من كوب حليب بالزنجبيل الحارق لـ اللسان وبعض الكعك، ولأن الجو كان بارداً، وطريف مدينة البرد والنسيان، فقد قامت والدتي بألباسي شماغ وربطه من تحت الذقن لكي لا أتخلص منه فهي تظن، وكل ظنها رحمة، أن ذلك الشماغ سيقيني لسعات البرد التي يغريها سبتمبر بالحضور. أمسكتني بقوة وهي توصيني:

“يا وليدي خلّك رجل، ترى الرجل ما يشكي ولا يبكي”. كانت تعيد وصاياها على مسامعي وأنا أغادرها بأن أكون “رجلاً، عاقلاً، مؤدباً، مطيعاً”، أي والله كانت هذه وصاياها الحزينة وليتها لم تفعل!!.

لم يكن معي سوى حقيبة بلاستيكية بداخلها مسّاحة وبراية وقلم ومسطرة لا غير. ذهبت مع أخوتي وكأن الطير قد سقط على رأسي وأنشغل بألتقاط بذور الطمأنينة التي نثرتها أمي فيه حبة، حبة ليجعله فارغاً كفؤاد أم موسى!.

خرجنا للطريق وأنا ألتفت لأمي، كنت أمشى عشر خطوات ومن ثم ألتفت لأمي حيث كانت تقف بجانب البيت وهي تُمسك بالـ”طنب” لـ”مِقْدم” بيت الشعر. عندما دلفت إلى “تعاريج” الطريق فقدت عيون أمي التي تمنحني الأمان وبدا لي كل شيء غريباً، غريباً إلى درجة أن خطواتي بدأت تتقارب بالرغم مني إلى أصبحت المسافة بين وبين أشقائي هائلة جداً كما كان يُخيّل إلي وقتها بينما لا تصل في الحقيقة إلى أكثر من عشرين متراً.

دخلنا ساحة المدرسة، وهي مدرسة ابن سينا الإبتدائية، وذُهلت لمساحتها الكبيرة، سرنا قليلاً وعلى ما يبدو فأننا كنا متأخرين بحيث لم نصادف الطابور الصباحي ولذلك قادني شقيقي الأكبر مباشرة للفصل وأدخلني فيه وغادر بدون أن ينبس بكلمة واحدة!.

أجلت بصري بالمكان، كانت الوجوه غريبة وجديدة وصادمة، وقفت عند باب الفصل وأمامي مباشرة كان هناك رجل ضخم الجثة عرفت فيما بعد أنه مربي الفصل وهو مدرس فلسطيني يجلس على طاولة كبيرة وخلفه شيء أخضر كبير ملتصق بالجدار وبداخله بعض الأشياء البيضاء التي لا أعرف اسمها ولا ماذا تعني!. لاحقاً عرفت بأن ذلك الشيء الأخضر هو “صبّورة” كما كنا ننطقها وأن تلك الأشياء البيضاء هي “طباشير”.

كان الفصل ممتلئاً بالطلاب باستثناء مقعد واحد فارغ ولعله كان مخصصاً لي أنا الذي لم يكن يعرف شيئاً. أشار لي المدرس أن أذهب إليه فذهبت وجلست كما أمرني.

عندما دخلت من باب الفصل كانت “الصبورة” على يميني والمدرس أمامي في الجهة الأخرى والطلاب على يساري. كان مقعدي بجانب الجدار الذي بداخله الباب. دلفت من الباب واتجهت يساراً وتجاوزت الطالب الأول فالثاني والثالث وجلست في المقعد الرابع وأعطيت ظهري للطالب الذي يقبع في المقعد الخامس والأخير.

حسناً هذا هو الكرسي الصغير وهذه هي “الماصّة” التي كانوا يحدثوني عنها. تفحصتهن جيداً ووضعت حقيبتي حيث وجهني شقيقي.

كان الهرج والمرج سائداً في الفصل والطلاب يتحدثون ويضحكون مع بعضهم وأنا أتفحص وجوههم والخوف يسكنني والوصايا تتكرر في رأسي كأسطوانة مشروخة!. لم أشارك الطلبة فوضاهم اللذيذة بل فتحت حقيبتي وأخرجت منها البراية والمساحة والقلم والمسطرة وبدأت ألعب بهما لوحدي على الطاولة. كنت الطالب الوحيد الذي يلاعب “نفسه”. مر وقت لا أعلمه وأنفصلت عن الجميع ودخلت في عالمي الخاص ولم يخرجني من عالمي الجميل إلا صوت المدرس صارخاً:

“أنت يا ولد، تعااااال”

ألتفت إلى المدرس فإذا به يشير إلى فوقفت وأنا أرتجف وقلت له:”أأأن ن ن نااااا”، فهز رأسه بالإيجاب، عندها لم يكن هناك بُد أن أذهب إليه. وقفت عنده وأنا أرتجف، فقال لي بغضب: “وليه تشاغب يا ولددددد”؟

وجمت في البدء، وبعدها ألتفت إلى بقية الطلاب الذين توقفوا عن اللعب وعاد كل منهم إلى مقعده، وران الصمت على الجميع وتعلقت عيونهم بي وبالمدرس وبماذا سيحدث. استجمعت قواي وأجبته: “ما شاغبت يا أستاذ”، لم أكد أنتهي من جملتي إلا ويده اليمنى تضع بصمتها العنيفة على خدي الأيسر الصغير!. كانت ضربة صاعقة وقوية جداً جعلتني أتراجع للخلف لأكثر من مترين قبل أن أسقط على ظهري وأنا أبكي!. بعد زمن لا أعلمه وقفت وأنا أبكي، نعم لقد بكيت وخنت خاتمة الوصايا، اتجهت لمقعدي وعيوني تسح دمعها مدراراً وأنا أحاول كفكفتها بكم ثوبي وأحاول كتم نشيجي بينما بقي الصمت هو سيد المكان لبقية اليوم أو هكذا كنت أتخيل!. كنت أبكي بسبب الظلم أكثر مما كنت أبكي من ألم الصفعة على شدة ألمها.

كان ذلك الدرس الأول الذي تعلمته في المدرسة الدرس الذي شرحه لي المدرس بأبسط طريقة ممكنة، ربما بدون أن يقصد، درساً لم أنسه أبداً، علمني بأن الظلم مرتعه وخيم، وأن كأس الظلم التي تشربها لن تنسَ طعمها أبداً حتى لو عشت بقية أيامك تشرب كؤوس العسل المصفّى، علمني أن لا أظلم أحد أبداً متى ما قدرت على ظلمه حتى وإن كان قد قام بظلمي سابقاً!.

في نهاية اليوم الدراسي، ولأنني “كنت رجلاً” كما كانت تطالبني والدتي دائماً أن أكون فقد عدت إلى البيت وحدي، نعم وحدي، فوحدي ذهبت ووحدي عدت.

وهكذا كنت دائماً، لا أحد معي أو بجانبي فوحدي أذهب، ووحدي أعود!.

وحدي أذهب ووحدي أعود!.

عبور أولي نحو الجزء الثاني من الحياة “نص/قص”….لم يكتمل..!

عبور أولي نحو الجزء الثاني من الحياة

“نص/قص”….لم يكتمل..!

قراءة أولى لتلك الحياة…!

ترنيمة أولى:

يالمستريح

اللي تركت الدنيا ورى بابك تصيح

يالمستريح

ياللي قفلت بابك

وأنت تستغيثك ألف ريحٍ وريح

يالمستريح

فاقدك صح…؟

أو ما تعرف دربك صحيح

خايفٍ..؟، رِحّ…!

ما فيه وجهٍ لك يريح..!

يالمستريح

مرت فيك دنيا

ودنيا من دنياك عيّت تستبيح

مريت في دنيا

وشقاك معلّق على المذبح ذبيح..!

ترنيمة ثانية

يالمستريح

في فضاءاتك وضوح

وفي وضوحك فاض فاء

من متاهاتك نزوح

من فيها مات ماء..؟

فيه بعيونك جروح

تصيح وينك يـ أنت: ماء..؟

وأنا…

ضعت بمتاهات الإنتماء

لاني “أنت”، ولاني “ماء”..!

بس أذكر أني:

كنت في لحظة من عمري

كنت شهوة أرتماء

كنت صرخة كبرياء

وكنت من عمري أطيح…!

وكنت…

من عمري….

أطيـ…

…ـيـ….

…ـيـ….

…ـيـييييح

ترنيمة ثالثة:

يالمستريح

كان ميمك يصيح

بوجيه ماتت كبرياء

ودالك عيّا يستريح

يركض بوجه الشقاء

وميمك الثاني جريح

توجعه طعون حاء..!

والسماح…

اللي يغني لجنون الرياح:

راح…..راح

كل زهرٍ غنى لأرواح الصباح..

طاح……طاح

الضياع اللي ذبح بسمة وراح..

فاح…….فاح

صوت صمتك من على شفاه الملاح..!

وأنت يالذنب الذبيح

يطيح بك قلب وقلب

وقلب ثالث يستبيح

يستبيح الـ ما يُقال

وكل صمتٍ فيك سال

كل صمتٍ سال ريح..!

عبور ثاني:

يالمستريح

ينبت فـ عيونك ظمأ

وياخذك دمعٍ هما

ياخذك لدربٍ بعيد

أبعد من حدود السما

ياخذك لدربٍ جديدٍ

دربٍ وحيد وعنيد

درب محتاجٍ لـ عيد

درب مشتاقٍ لـ إيِد

درب لعيونه يصيح

كنت أجمل من طفل

يضحك ودمعه يطيح..!

..

..

..

يالمستريح..

..

..

……..!

عائداً إلى أرضي “في أثر الغابرين أهذي”!

عائداً إلى أرضي “في أثر الغابرين أهذي”!

لم يكن ذلك الطفل الذي وجد كتاب “طارق بن زياد” في الكافيتيريا الموجودة بجانب المدرسة ليتردد لحظة واحدة في دفع خمسة ريالات هي مصروفه الأسبوعي الكامل مقابل هذا الكتاب وترك ساندوتش الفلافل خلفه محاولاً التسامي على ألم بطنه الذي يتضور جوعاً!.

شدّه غلاف الكتاب والرسمة المُتخيلة التي زينت الغلاف لطارق بن زياد ببشرةٍ سمراء وخوذة خضراء وترس أسود ولباسٍ قان!. كان ذلك الكتاب ضمن إصدار “سلسلة الناجحون” لأحدى دور النشر اللبنانية والموجهة للأطفال. قام بشراء كُتب أُخرى من ضمن السلسلة مثل خالد بن الوليد والأسكندر المقدوني والمهاتما غاندي ونابليون بونابرت وشجرة الدر والملكة زنوبيا وغيرهم بمصروفه الشخصي على مدار بقية الفصل الدراسي، ولكن لم تفعل كل تلك الكتب الجمية واللذيذة فعل كتاب طارق بن زياد في قلبه!. سيطر عليه ذلك الكتاب بطريقة عجيبة إلى درجة أنه أصبح همه الوحيد عندما يعود من المدرسة وفي ظهيرة أيام الشتاء أن يُعيد قراءة طارق بن زياد مراتٍ ومرات في ركن فناء المنزل والخاص بمجلس الرجال المكشوف حيث يوجد “وجار” القهوة الذي يتم فيه صنع القهوة على نار الخطب بتلك الطريقة اللذيذة!.

يكوّر جسده ويتكئ على جانبه الأيسر ويمسك الكتاب بيده اليمنى بينما يعبث بأصابعه اليسرى بشعره فيشده حيناً برفق ويلف خصلاته الطويلة على أصابعه حيناً آخر!. يغرق مع طارق مرة ومرة ومرة، يشاركه عبور المضيق الذي تشرّف بحمل اسمه، يضع يده على قلبه وطارق يأمر جنده بحرق السفن قائلا:” العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”!. يتعجب من هذه الروح الخلّاقة المجاهدة حينما قررت المجازفة بكل شيء مقابل نصرة ما تؤمن به، يا تُرى كم نحتاج مثلها؟!.

“العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”، فلسفة جميلة، إذن هما طريقان لا ثالث لهما والاختيار حتمي ففي أحداهما موتٍ حتمي وفي الآخر موتٍ منتظر!.

سار طارق بالجيش وفي كل مرة أقرأه كنتُ أسير معه ويدي اليسرى تمارس عبثها في شعَري. كنت أسترجع وصف والدي للمعارك التي خاضتها القبيلة قديماً ووصفه “السينمائي” لأحداثها وماذا يفعل فرسانها أثناء المعركة فتتلبسني أرواحهم وأشعر بأنني قد أصبحت من ضمن السبعة ألاف مقاتل في جيش طارق وأنا على فرسي “أحدو” معه بـ:

“يا طارق تكفى يالعقيد

حنا جلبنا أعمارنا

“لوذريق” لا بدّه يهيد

ذاق الطنا من كبارنا

قلّ له جينا من بعيد

و”مجريط” صارت دارنا”

يلتقي طارق في معركة “وادي لكة” بمقاتليه قليلي العدد، كبار الهمة مع “لوذريق” ومعه ما لا يُحصى من جُند “القوط”، تنتهي المعركة بانتصار مشرّف لطارق ومن معه. ينتهي القتال وينتصر الحق والمبدأ على الهُلام وما يّمثلّه!.

وتأخذني نشوة النصر وانا أشاهد هذا الفتح العظيم فـ”أحدو” مرة أخرى وأنا أنظر لمصارع الهُلام:

“يا طارق سيفك من سما

وسيف العدو حفنة تراب

حنا كما حرٍ هما

في مخلبه صاد الخرِاب”

ينتصر طارق في كل معاركه التي خاضها وأنا برفقته وتصبح الأندلس أرضاً عربية إسلامية. يذهب طارق إلى الـ لامكان وأبقى متكئاً على جانبي الأيسر في الفناء الخارجي للمنزل وسبابتي اليسرى لا تزال تعبث بخصلات شعري وهي تتسائل:”أين طارق؟!”.

ويسقط بي الكثير والمثير والغزير والهدير من الكلام ما بين بين!. أسكت وقد مررت بحياة ومرّت بي حيوات، أسكت لبرهة وما أطولها من زمن ومن ثم أعاود البوح!.

مرت بي حياة ومرت بي الأندلس أيضاً!. كنت أقرأ كل ما يمر بي عنها، وفي سنواتي الجامعية قمت بتسجيل مادة “تاريخ الأندلس” كمادة من المواد الحرة والمعمول بها في نظام جامعة الملك سعود في ذلك الوقت. كنتُ مثار أستغراب الكثير وسخرية البعض الآخر، الكل كان مستغرباً لتسجيلي هذه المادة لأنها مادة تخصص وصعبة جداً من جهة ولأن المتعارف عليه هو أن الطالب يختار المواد الحرة السهلة لكي يرفع معدله من جهة أخرى!.

في أول محاضرة مع دكتور المادة الجميل ابن الطائف د/ عبدالغفور الروزي كنتُ مثار الاستغراب من الكل وأولهم أستاذ المادة، فأنا وبمجرد دخولي وأنا أحمل “البالطو” الأبيض الذي لفت نظر الجميع مما دعا الدكتور الروزي لسؤالي عن سبب حضوري معتقدا بأنني ربما أخطأت في عنوان قاعة المحاضرة، فأخبرته بالحقيقة. تبسّم وهو يهز رأسه قائلاً:

“ترى المادة صعبة”!. أومأت برأسي وأنا ابتسم له ابتسامة كانت تعنيني أكثر من غيري!.

عاد بي ذلك “الطفل” الحالم المشاغب مرة أخرى مع الدكتور الروزي ولكن بهيئة جديدة، أصبح يتكئ على يده اليمنى وأصابعها تلعب في عارضه القصير وهو يغرق في صوت الدكتور ويُبحر في كلامه ويذهب ليرى عبدالرحمن الداخل والأوسط والناصر والربض وقرطبة وطليطلة وأشبيلية وغرناطة والزلاقة والعقاب وبلاط الشهداء والمعتمد بن عباد والمنصور بن أبي عامر ويوسف بن تاشفين والموحدين طوال فصلٍ كامل من المتعة الجميلة مقسمة على ثلاث جرعات أسبوعية، لكنها انتهت وكأنها لم تبدأ!.

ومرت بي حياة ومررت بحيوات والأندلس لازالت تستوطنني أنا البدوي الشمالي الغائب عن كل شيء إلا عن ذكرياتي وأحلامي!.

لا أتذكر بأنني قد تحدثت كثيراً مع أحدهم، أي أحدهم، عن الأندلس بحديثٍ طويلٍ أو حتى مقتضب ولا أدري لماذا وإن كنتُ أخمّن بأن خوفي من خروج الطفل من مخبئه هو ما يجعلني أفعل هذا!. خلال سني عمري اللاحقة سيطرت على مشاعري غرناطة وقصرها الأحمر فكنت أمشي في شوارعها في آخر الليل على غير هدى، أعبر حي البيازين، تختلط أصوات الحرفيين وأهل السوق فأشم روائح التراث العظيم وما ألبث إلا قليلاً فأعبر النهر الصغير إلى جنة العريف فأُريح نفسي من عناء رحلتي وتغمرني روائح الزهور الجميلة وبعدها أنطلق فأدخل قصر الحمراء قبلة الدنيا وما فيها!.

قبل فترة قررت السفر للأندلس والمغرب، أوووه، أقصد أسبانيا كأول دولة غير عربية أقوم بزيارتها. كنت انتظر الوقت المناسب الذي أتى على ما يريد وعلى ما أُريد أنا أيضاً!. أقلعت الطائرة وعبرت فوق جبل طارق، ندت من شفتي تنهيدة حرّى ولا أدري لمه!.

كان الوقت صباح جمعة حيث الهدوء والسكينة، عبرت بي الطائرة تلك المسافة الطويلة وأنا عيني تدلى للأسفل حيث الأرض تحتي تتشكل فقط من مشهدين، مساحات خضراء وأنهار لا متناهية العدد!.

عندها عذرتُ أجدادي عندما أسموها “الفردوس المفقود”!.

……………..

عن والدي أحدثكم!.

توفيت والدته وهو صغير فنشأ يتيماً في كنف والده، والذي تزوج مرة أخرى ولكن الزوجة الثانية توفيت بعد عدة سنوات فلم يتزوج بعدها مرة أخرى. والدي كان شاباً وقتها- أن يكون البدوي شاباً فهذا يعني أن عمره قد أقترب من الثالثة عشرا عاما- فأهتم بشئون والده الكبير في السن فكان يستيقظ صباحاً فيجهز له القهوة ويخبز له “مصليّة” وهي خبزة تُصنع من عجينة سائلة وتُخبز على الصاج. بعدها يتجه لرعي مجموعة الإبل الصغيرة التي يملكها والده، وقبل حلول المساء يعود ليطبخ العشاء والذي غالباً ما يكون من “التمّن” أو القمح المجروش.

تسببت سنين الجدب المتتابعة التي عانت منها منطقة النفود والحماد في شمال المملكة والتي أعقبت الحرب العالمية الثانية ومات بسببها، والأمراض التي رافقتها، الكثير من إبل القبيلة بحيث أصبح الكثير ممن كان يمتلك “الرعية والرعيتين” من الإبل- تتكون رعية الإبل من٨٠ إلى ١٠٠ ناقة- يستيقظ في الصباح ليجدها ميتة ولم يتبقى له سوى عشرة نياق أو أقل. هذه الجائحة مرّت على إبل والده أيضاً فلم تترك له سوى أربعة من الإبل، وهو عدد لا يسمن ولا يغني من جوع للبدوي الدائم الارتحال!.

كان ذلك الجيل، جيل والدي، يعيش مرحلة الذهول الكامل وهي مرحلة البحث عن الهوية، فالمعارك التي خاضها أسلافه، والتي ولد وترعرع على سماع أحداثها، انتصاراتها، هزائمها، قتلاها، القصائد التي قيلت فيها، الفخر الذي لبس تاجه فرسانها قد انتهت!. وهذا الجيل لا يستطيع إعادة إنتاجها!. وقيم الفروسية التي رضعها من صدر أمه لا يوجد فضاء يسمح له بتطبيقها. وزيادة على ذلك كان يرى وسيلة حريته الوحيدة تموت أمام عينيه، أضف إلى ذلك بداية انكماش فضاء حرية الحركة بسبب وجود الحدود الدولية الجديدة والعراقيل التي تزداد يوما بعد آخر في وجه تحركاتهم. كل ذلك كان من الممكن التعامل معه على أنه حالة مؤقتة ومن المؤمل أن تنتهي قريباً بطريقة أو بأخرى أو هكذا كانوا يعتقدون!. لكن قاصمة الظهر كانت في الأوبئة التي اجتاحت إبلهم، والجفاف الذي يزداد عاماً بعد آخر، قد أدت لموت الكثير منها!. والبدوي لا يعرف نفسه بدون ناقته، أنها هي الحياة والحياة هي ناقته، وإذا ماتت ناقته انتهت حياته الحقيقية وإن استمرت حياته الفسيولوجية بمسارها الرتيب إلى أن تنتهي كيفما أتفق في وقت لاحق!.

في تلك الفترة وتحديداً في عام ١٣٦٨ هـ، تم فتح باب الانتساب للجيش السعودي، وهذه السنة مشهورة جداً عند قبيلة الرولة إلى درجة أنهم يسمونها في تواريخهم الخاصة سنة “كَتبْ الطايف”، لأن مكان التسجيل والمعسكرات الخاصة بتدريب الجيش في مدينة الطائف. كانت فرصة ذهبية لأبناء القبيلة لعدة أسباب منها التخلص من مأزقهم الاقتصادي الذي وقعوا فيه بسبب موت الإبل وتناقص القيمة الاقتصادية لما تبقى منها بعد نهاية “تجارة عقيل” وتصدير الإبل إلى العراق والشام ومصر. وكذلك لإثبات فروسيتهم المتخيلة في قبيلة لطالما كانت الفروسية هي المهمة الأكثر شرفاً للكثير من رجالها. فقد كانت تلك الفروسية التي يسمعون مروياتها ولم يتمكنوا من ممارستها بسبب تغير الأوضاع السياسية والاقتصادية في المنطقة هي أكثر ما يؤرقهم، في مجتمع كانت الفروسية هي المعيار الأول لتقييم رجولة الفتى من عدمها!.

ذهب جميع شباب القبيلة إلى الطائف للحاق بركب العسكرية بحيث أصبح لا يُشاهد في بيوت القبيلة سوى النساء والأطفال وكبار السن أو المرضى. أصبحت بيوت القبيلة كئيبة وميتة، تُشرق الشمس فيها ولا يسمع رغاء الإبل ولا “لجة الحيران”، ولهذا لن تسمع راعياً يرفع صوته لإبله “مشايعاً” لها لتجتمع عليه. كانت تلك الأصوات هي دعاء القبيلة الصباحي الذي تستفتح به وقت العمل في كل يوم!. اختفت أيضاً كذلك الخيل وضاعت معها أصوات الحداوي في السديم، واختفت “الدحة” رقصة الحياة والحرب والحب لأفراد القبيلة وران الصمت والحزن على الجميع. والمصائب أتتهم تجر بعضها بعضاً!. وقد عبّر عن هذا المشهد البائس الشاعر “عتيّق القطران” بقصيدة هجينية من ضمنها بيت يصف المشهد وصفاً حزيناً وصادقاً:

كل “الصنم” عازله عزلي

ما ظل كود “المهاديفي”

ويقصد بالصنم، شباب القبيلة ورجالها الأقوياء أما المهاديف فهم كبار السن الذين أحنت الدنيا ظهورهم فمالوا إلى الأرض يسألون بصمت متى العودة إلى رحمها!. والشاعر يصف هنا “النَزِلْ” وهو مجموعة من بيوت الشعر ربما تتجاوز الخمسين بيتاً, بأنها خالية من شبابها ولا يوجد في تلك البيوت إلا كبار السن.

كان والدي هو الاستثناء وربما الوحيد في قبيلته الصغيرة، فقد رفض والده ذهابه لأنه كان مريضاً ولا يجد من يهتم به غيره. قال له عندما أستأذنه للذهاب مع أقاربه للالتحاق بالجيش السعودي: “يا وليدي من تخليني له، بهالبيت لحالي”؟!. كان السؤال مراً, ولكن مرارة الحياة وقتها في لسان والدي الشاب كانت أشد، فبالإضافة إلى الفقر كانت نظرات النساء تعبّر عن عدم احترامها لكل من لا يذهب للبحث عن تلك الفروسية الجديدة التي فُتحت أبوابها بدون سابق إنذار!.

في عُرف أهل البادية، البيت الذي لا توجد به زوجة أو فتاة كبيرة تهتم به لا يعتبر بيتاً، وكان الرجل إذا ماتت زوجته أو طلقها ولم يكن له بنات كبيرات طوى بيته وربما باعه وأصبح يتنقل مع أبله ينام حيث تنام ويسير معها حيث تسير!. ولكن بيت والده كان بيتاً من وجهة نظر والده وذلك لأن والدي كان يؤدي جميع مهام الفتاة غير الموجودة في البيت فهو يطبخ ويحطب ويرعى الإبل فلم يشعر والده بنقص قد يلغي مسمى “البيت” من قاموسه اليومي!.

يخبرني والدي رحمه الله، بعد خمسين سنة من القصة، أنه كان ينتظر والده إلى أن ينام فيأخذ عصاته وعباءته، وهما كل ما يملك من متاع الدنيا وقتها، ويخرج متسللاً لكي لا يشعر به والده المريض النائم وحيداً في بيته الصغير!. يقول لي، بأنه قد خرج لثلاث ليالٍ متتابعة وأنه في كل مرة عندما يبتعد عن البيوت وينقطع عنه صوت نباح الكلاب التي تحرس البيوت من اللا شيء، يجلس على الأرض متدثراً بعباءته ويرسم خطوطاً متقاطعة بعصاه على الأرض وهو يسأل نفسه:

“هالشايب من يبلش به عقبي”، أي من سوف يهتم بوالدي بعد ذهابي للطائف وتركي له وحيداً في بيته الخالي؟!. يبقى قليلاً في مكانه، تحترق به نار السؤال وتُجبره على العودة لوالده قبل أن يشعر بغيابه. في الليلة الرابعة لم يأخذ وقتاً طويلاً ينتظر فيه والده لكي ينام ومن ثم يتسلل من عنده برشاقة كالمرات السابقة، بل وضع رأسه على الأرض ونام بجانبه في “الربعة” وليقض الله ما هو قاض.

قتل حلمه من أجل والده، ولكنه كان يعزي نفسه بأن أجمل الأحلام تلكك التي لا تتحقق أو هكذا أظن!.

بعد أربع سنواتٍ عجاف تزوج والدي، وبعدها بسنة توفي والده، وماتت معه الإبل الأربعة أو هكذا فعلت بعد صاحبها!.

كانت فترة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى البيئية مؤلمة جداً للقبيلة، فالقبيلة برمتها أصابها التفكك فبعد موت الإبل والجفاف وشح الأمطار تفرقت منازلها وتباعدت، فالبعض استمر يعمل عسكرياً في الطائف ولم يعد والبعض الآخر عمل في شركة “التابلاين”، تلك الشركة التي بدأت تغير المكان وروحه والحياة والذاكرة والناس!. والأكثر ممن بقي على حياة البداوة تحوّل لرعي الأغنام. فالغنم من الناحية الاقتصادية في ذلك الوقت كانت مجدية أكثر في ضوء تناقص القيمة الاقتصادية المتسارع للإبل!. أنها الحل الوسط للبدوي، فهو من ناحيه لا يزال في صحراءه التي يعشق ومن ناحية أخرى أمتلك مورداً اقتصادياً جيداً يعينه على الحياة أو يصالحه مع تلك الحياة الغاضبة بتعبيرٍ أدق!.

كان البدوي الصِرف، وأقصد هنا البدو أهل الإبل، ينظر إلى مهنة رعي الغنم نظرة ازدراء في ذلك الوقت، فالغنم بقدرتها المحدودة على الحركة تقيّد من حرية صاحبها وتجعله أسيراً لمكان الماء واستحالة الانتقال بدون واسطة نقل لأماكن بعيدة طلباً للماء والمرعى!. ولكن التحولات الاقتصادية أجبرتهم وغيرهم من القبائل “الأبّالة” على التخلي عن الإبل والقيم التي ترافقها والاتجاه لرعي الغنم واستلهام قيمها الجديدة!. رفض والدي رحمه الله الحلول الوسط فهو أما أن يكون بدوياً كاملاً والصحراء ملكه ينتقل فيها حيث يشاء بدون أي واسطة سوى ظهر ناقته أو أن يستجيب لعوامل الزمن ويقبل بالهزيمة الظاهرية على أن يبقى في داخله بدوياً حراً على الأقل في مخيلته التي تعذبه ويهادنها دائماً بصعوبة!. تجلى ذلك في أسلوب سكنه في بلدة طريف، فبيته كان بيت الشعر الوحيد تقريباً في “حارة الرولة” أحدى الحواري الثلاث المكونة لبلدة طريف في الثمانينات الهجرية من القرن الماضي.

رفض أن يستأجر منزلاً ليُسكن فيه أسرته لأنه رفض أن يسجن روحه في ذلك المنزل الإسمنتي كما أضطر اضطراراً لسجن الوظيفة ووسائل النقل الميكانيكية. ما ساعده على تلك الحياة هو وظيفته في قطاع سلاح الحدود وخفر السواحل، حرس الحدود لاحقاً. كان يعمل في المراكز الحدودية الخارجية وكانت مقرات المراكز في ذلك عبارة عن بيوت شعر وخيام، ولم تكن تلك المباني الإسمنتية قد بُنيت بعد.

قال والدي في نفسه: “حسناً بيت الشعر في العمل، وبيت الشعر أسكن فيه”، لم يتغير الشيء الكثير أو هكذا كان يوهم نفسه رحمه الله!. لاحقاً، عندما تم بناء المباني الإسمنتية في مراكز سلاح الحدود أستقال والدي من وظيفته، نعم أستقال، حدث الأمر بكل بساطة ممكنة. أتخذ ذلك القرار وكأنه يتخذ قرار الرحيل عندما كان بدوياً من مكانٍ إلى آخر.

مكث في بلدة طريف عشر سنوات وبعدها أضطر للانتقال لمدينة القريات التي بدأت في التوسع بعد دخول بلدة طريف حالة أغماء طويلة بسبب أقفال شركة التابلاين وأغلاق المنفذ الحدودي الذي يمر من خلالها إلى الأردن وبقية بلاد الشام. هاتان الكارثتان اللتان أدخلت البلدة في غيبوبة سريرية لأكثر من عشرين عام.

انتقل والدي للقريات ونقل معه بيت الشعر “المثولث” وبناه بجانب الفيلا التي سكنتها العائلة، الفيلا الغريبة على جميع أفراد العائلة في ذلك الوقت. سريعاً ما تصالح أفراد العائلة مع الفيلا فعرفوا كيف يستخدمون حماماتها وكيف يغلقون الأبواب عليهم بأحكام. سكنوها وسكن معهم الخوف الذي يعيش عادة في البيوت الإسمنتية فكل حركة كانت تُسمع في الليل ولا يعرف مصدرها تخيف الساكنين بعكس ساكني بيوت الشعر فقد كان عدم سماعهم لأي حركة خارج البيت في الليل هو ما يُدخل الخوف لقلوبهم!. ولأن القريات كانت مدينة ناشئة في ذلك الوقت فقد استنكرت أحدى الجهات الرسمية أو أحد المسئولين فيها وجود بيت الشعر بجانب الفيلا فوصل لوالدي “طلب شفهي” بإزالة البيت وهكذا كان.

بُني بيت شعر صغير في فناء المنزل ولم يتصالح معه والدي فأُزيل بعد فترة قصيرة، فعلى ما يبدو فأنه عزّ عليه أن يسجن بيت الشعر بسجنٍ أسمنتي كـ أيّاه!. وضع “وجار النار” في الفناء وأستمر في عمل قهوته ومسامرة الأصدقاء الذين تجمعوا بعد عشرات السنين بفرحٍ غامر تحت أديم السماء مباشرة. يرفع رأسه فيشاهد نجوم الثريا والجوزاء وغيرها ويحسب مع جلساءه متى يدخل فصل الشتاء والمربعانية. كان لا يدخل لداخل المنزل إلا للنوم في ليالي الشتاء الباردة أو فترة القيلولة في الصيف.

أنحنى والدي قليلا، أو هكذا توهمت، فوالدي لا ينحني. رضي والدي بعد خمسة عشرا عاماً ببناء بيت الشعر داخل فناء المنزل، كان ذلك بعد ضغط أشقائي الذين يحترمهم ويجلهم ويعاملهم كأصدقاء وليس ابناء. ولكن هذا البيت كانت أعمدته من حديد وبدون “أطناب” تشده وتربطه بالأرض لكي لا يقع، لذلك شعرت وقتها بأنه لم يشعر بالانتماء له إطلاقاً!. لا زلت أذكر نظرات والدي له، فعلامات الاشمئزاز الصامت تظهر على محياه وإن كان دائماً ما يحاول إخفائها. كان الأبناء يحاولون نيل رضاه بشتى الطرق وكان هو الآخر يحاول أن يرضيهم بموافقته على جميع ما يطلبون منه وإن كان ذلك الأمر لا يرضيه.

لم يفكر والدي يوماً ما في شراء سيارة أو حتى قيادتها في المدينة. قاد السيارة في الصحراء فقط!. عندما كان جندياً في سلاح الحدود كان يقود سيارة الدورية أحياناً. ربما ما كان يدفعه لذلك هو تخيله أن هذه السيارة هي ناقته المُتخيلة التي يعبر فيه صحاريه القديمة والغالية على قلبه!. في عمله في سلاح الحدود لم يبتعد عن مراتع صباه فالمراكز الحدودية التي عمل بها هي “عظامان” و”نعيج” و”الجرَاني” وكلها تقع بين طريف والقريات وتلك الصحاري يعرفها شبراً شبراً منذ طفولته.

أيضاً لم يفكر أن يتعلم الكتابة، حتى كتابة اسمه، وأستعاض عن ذلك بحمل ختم من حديد، كالكثير من مُجايليه، يختم به على الأوراق الرسمية. فقط تعلّم قراءة القرآن، وفي أُخريات عمره كان لا يفارقه المصحف فكم من مرة وجدته نائماً وفي يده المصحف وعندما آخذه من يده يستيقظ ويمسك به بقوة وحجته كانت أنه ليس نائماً، وإن الليل لا زال فيه “ليل” يكفي للقراءة وللتدبر والتذكر!.

في غفلة منّا ومن الزمن، شعر والدي بألم في الجهة اليسرى من صدره، كان ذلك صباح أحد الأيام الحزينة، فبعد أن تناول قهوته ذهب للمستشفى ماشياً على قدميه. قال له أحد الرجال الموجودين في مجلسه الصباحي:” لا تأخر علينا يا بو مناحي”، رد عليه والدي قائلاً:”لا ماني متأخر إن شاء الله، شوي وأجي”!.

ولأول مرة في حياته يُخلف والدي وعده، فعندما وصل لبوابة المستشفى غادرنا تاركاً خلفه بيت الشعر والرجال والدلال والوجار والصحراء التي خانته وظل وفياً لها طوال عمره!.

هكذا فعل والدي، والدي الرجل العظيم، الرجل الذي تكمن عظمته في بساطته الشديدة ووضوحه مع نفسه.

أن لا آتي متأخراً ولو لمرة واحدة!.

مقدمة لابد منها

وكعادتي دائماً، أدخل لعالم التدوين متأخراً، بعد أن أوشك على الأفول تقريباً!. منذ الأول ابتدائي وأنا أجلس في الصفوف الأخيرة. لا أحب المركز الأول أبداً، لأكن دقيقاً، منذ أن حدثت تلك الحادثة لي في المدرسة الابتدائية والتي كانت عبارة عن عملية تزوير في درجاتي أدت لفوز الطالب الذي يمت بصلة قرابة قوية لأحد الإداريين المهمين في المدرسة، بالمركز الأول وكان نصيبي المركز الثاني. منذها زهدت في المنافسة أو الرغبة في التفوق!. كان طعم الظلم مراً في فمي، إنه الطعم الذي يمنعني، يا سادة، حتى هذه اللحظة من الفرحة في الإنجاز مهما كان!.

تخرجت من الجامعة ولم أحتفل أو أخبر أحداً، توظفت وظيفة جيدة ولم أحتفل، أنهيت الماجستير متفوقاً على جميع الظروف التي مررت بها ولم أحتفل!. كان كل إنجاز لي يذكرني بذلك الإنجاز الذي حُرمت منه وبكيت بسببه حتى أغرقت ثوبي الجديد!. ذلك الثوب البائس الذي لم ألبسه بعدها إطلاقاً. وللمفارقة لازلت أذكر لونه، ومن نافلة القول لم ألبس منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم أي ثوب بنفس اللون!. لازلت أتذكر لونه البائس وكيف تغير بسبب موجة الدموع التي أغرقته!.

أوه، والله لم أكن أود الوصول إلى هذه النقطة في حديثي!. قاتل الله العقل الباطن، أنه “مزبلة” حياتنا التي ينبغي علينا التخلص منها ولكن كيف؟!.

نعود للحديث عن الأمكنة والصفوف الأولى، لا أتذكر طوال حياتي الدراسية أنني قد زاحمت الجالسين على الكراسي الأولى أو تعمدت الدخول باكراً للصف أو القاعة، وكان ذلك يدخلني بمواقف غير جيدة مع الأساتذة فعند حدوث أي إزعاج أو مشكلة ترمقني الأبصار بأنني ورائها أو على علم بمن تسبب فيها. وأنا، المسكين، المنفصل دائماً عن ما حولي لا أعلم ماذا حدث ولا أريد أن أعلم حتى!. لا أحب الحضور مبكراً حتى في الامتحانات النهائية، ولا أذكر أنني قد دخلت امتحانا قبل مضي عشرة دقائق على الأقل من بدايته!. أتذكر موقف طريف حدث لي مع الدكتور عبدالمجيد الأقطش وكان يدرسنا مادة النظام السياسي في الإسلام، كنت أجلس في الخلف والقاعة كبيرة جداً وكنت دائماً ما أتداخل معه أثناء الشرح وكان على ما يبدو لا يسمعني جيداً ربما لأن أوتاري الصوتية كسولة جداً في قذف الحروف من مخارجها حتى تستقر في أذان المستمعين، فغضب مني في أحد الليالي، وكانت المحاضرة بعد صلاة المغرب، فقال: “يا زلمة بدك تحكي تعال قدّام هون عندي حتى أسمعك”، ومع رغبتي في النقاش إلا أنه هزمني بدعوته لي أن أكون في مقدمة القاعة فسكت وانثنيت على مذكرتي أحاول أن أرسم ذلك الثوب الغارق في الدموع!. موقف آخر مع أستاذ التاريخ السعودي في جامعة الملك سعود الدكتور عبدالله المطوع حينما كنت أدرس معه مادة تاريخ المملكة العربية السعودية، كنت دائم المشاركة في المحاضرة وكنت في الخلف لوحدي وكالعادة تخونني الأوتار الكسولة والغبية في قذف حروفي المسافة المطلوبة فقال لي مؤنباً: ” ترى طلاب التاريخ ما يخوّفون، كنت أنا طالب الصيدلة أدرس هذه المادة كمادة حرة مع طلاب قسم التاريخ، قرّب شوي حتى أسمعك زين”. كانت نظرته الحادة كنصل كافية لمنعي من التداخل معه إلى نهاية الفصل!.

حادثة الثوب الغارق بالبكاء، وإن كانت قتلت بي الرغبة في المنافسة والتفوق إلا أنني أعتقد أنها أنقذتني من اللهاث خلف المراكز الأولى والمناصب صغرت أو كبرت. عندما أتذكر هذه الجزئية تحديداً أشعر بأن هناك في كل شر قد يحدث لنا يوجد مقدار من الخير فيه ربما لا نراه إلا بعد زمن قد يطول.

حوادث التأخير كثيرة، لعلها أصبحت عادية، بل أصبح من المستغرب حضوري مبكراً عند من يعرفني أو الجلوس في الأماكن المتقدمة في القاعة.

كانت والدتي غفر الله لها دائما ما تقول لي عندما آتي بعد فوات الأوان لأي سبب كان:” أنت يا وليدي معاقب الشتاء بزربولين” أي أنت مثل الذي كان يمشي في الشتاء حافياً وبعد نهاية الشتاء قام بشراء حذائين ولبسهما، و”الزربول” هو لفظة تركية تعني الحذاء(أحسبوها فائدة من هذه التدوينة).

صدقت غفر الله لها، دائماً ما آتي بعد فوات الأوان ولا أسئل عن السبب ولا ماذا حدث.

أظن، وظني لا يغني من الحق شيئاً، أن عصر المدونات أفل أو قد أوشك على الأفول، ومع ذلك قادتني الرغبة المتأخرة دائماً أن أدخل هذه الليلة من هذا الباب الموارب لأقول لكم، أنا هنا، ولكن هل هناك من احد؟!. لا يهم، أنا هنا لألقي التحية لوالدي، ذلك الرجل العظيم الذي خرج من منزله صباحاً وغادرنا بدون تلويحة وداع تليق بمقامه الكريم.

التدوينة القادمة عن ولوالدي رحمه الله……..