“ماجد ما كان يلعب”!

إهداء أول:

إلى جدتي الحجية، لأنها البدء والانتهاء لأنها السيدة الأولى لمساحات الذاكرة اللامتناهية!

إهداء ثاني:

إلى الدكتور الجميل سعود الصاعدي ‏@SAUD2121 الذي حفزني بتغريدته وردوده للكتابة عن ماجد*

الذاكرة عدو جميل لا تعرف سبباً لحمايته لك ممن يريد الغدر بك، وصديق لئيم لا تدري لماذا غدر بك! الذاكرة متاهة الروح ولذا هي دائماً ما تتعمد الإتيان بنا إلى قعرها والضياع بها، نجد تلك الذكريات الذابلة، العطشى، الجميلة، الميتة، النائمة، فننسى أنفسنا لوقتٍ لا نعلمه على وجه اليقين، ولكنه وقت يتجاوز طوله طول الوقت الفيزيائي العادي الذي نعيشه بملايين السنين!

كانت البداية المبكرة عندما كان أخي الأكبر مني مباشرة يُجلسني بجانبه طالباً مني مُتابعة المباريات، وهنا كان أوّل تعرّف لي على ماجد. لقد أسرتني مهارته وأهدافه ومن ثم تواضعه، والأهم من هذا كله أسرتني طريقته الخاصة للتعبير عن الفرح بعد تسجيله للأهداف وخاصة المهمة والمصيرية.

لذلك فعندما كنتُ صغيراً، كنتُ مفتوناً باثنين، جدتي “الحجيّة” ذات الوجه الأبيض النقي المتغضّن الذي يزهو بوشمٍ عجزت الأعوام “السبعين” أن تمحوه، وماجد عبد الله. جدتي كانت عالمي وتاريخي الآخر والذي أتمنى لو تأتيني القدرة على كتابته كاملاً في يومٍ ما وليس كما كتبت عنها ههنا ككتابة عرجاء لا تليق بها! ولأنها كانت عالمي كنت دائماً ما أحاول أن أجعلها تشاركني أفراحي ومسراتي البسيطة بأي شكل من الأشكال.

لم تكن جدتي _رحمها الله_ تعرف شيئاً عن كرة القدم بالطبع، ولكنني لم أستسغ عدم معرفتها بماجد عبد الله، لذلك كنتُ وبكل شقاوة الدنيا التي تتلبس ذاك الطفل الصغير أُحاول التقرب لها بكل صورة ممكنة والحديث عن ماجد عبد الله وضرورة تشجيع فريق النصر. لم تطُل محاولاتي كثيراً حتى اقتنعت جدتي _أو هكذا أوحت لي_ بأنها نصراوية، بل وماجدية وطلبت مني أخبارها متى كانت هناك مباراة للنصر أو لماجد مع المنتخب. كنت في كل مباراة أشاهدها في جهاز التليفزيون الوحيد بالمنزل والموجود في الصالة _والصالة هي المقر الدائم لجدتي فيما عدا فترة النوم_ أجلس بجانبها وأتفاعل بكل جوارحي مع المباراة. مرات عديدة كنت أقبلها وأحتضنها بعد تسجيل النصر _وخصوصاً ماجد_ لأي هدف بالمباراة.

ولأنها بذرت نظراتها الجميلة في صحاري الحماد اللامتناهية الامتداد، لم تترك معها في أواخر عمرها من تلك النظرات إلا ما “يقدّيها” ولذلك كانت لا ترى جيداً. كانت تسألني في كل مرة يعرض على شاشة التلفزيون مباراة: “ماجد يلعب؟”. فأرد عليها فرحاً باهتمامها: “لا يا جدة هذي مباراة ثانية”. تأتيني ردة فعلها سريعاً: “لا لعب ماجد علمني يا وليدي”. ينفجر الطفل بي فرحاً وهو يصرخ: “أبشري يا جدة”. لم أكن أعلم أنه كل كان ما يهمها هو إسعادي وأنها لا تعرف ما هي كرة القدم أصلاً.

ماجد يلعب؟

لا، ماجد ما كان يلعب يا جدتي! ماجد كان “يسوي” شيء غير اللعب، تقدر تقول سحر، تقدر تقول فن، تقدر تقول شي خارج إطار العقل. بس صدقاً “ماجد ما كان يلعب”!

مع بداية حركة ماجد في الملعب كانت تتهيأ الفرقة الموسيقية لعزف جميع المعزوفات الخاصة والتي لم تكتب إلا لماجد، موسيقى الفرح لأهدافه، موسيقى الحزن لإصابته، موسيقى السلام الملكي لبطولاته! عندما ينطلق ماجد للكرة يرتبك أمامه من كُلّف في مراقبته من مدافعي الفريق الآخر، يتمنى لو يكن موجوداً في الملعب لحظتها! عندما ينطلق ماجد بالكرة يرتبك الفريق الآخر كله، يرتبك الجمهور، يرتبك المعلق، يرتبك قلبي الصغير وقتها! يتجاوز ماجد مدافع فيسقط، يسقط لأن قلبه لم يحتمل رؤية ماجد وقد تجاوزه، تنطلق الموسيقى صادحة من بين أقدامه وكلما رفع قدماً اهتزت النوتة طرباً قبل أن تحاول جاهدة مجاراة نغمات أقدامه على العشب وفي مغازلة الكرة ومعانقتها! يتجاوز ماجد الآخر، فيحاول، ذاك الآخر، جاهداً ألا يقع في العار الذي وقع فيه صاحبه، لا يستطيع وأنى له ذلك! يلجأ لطرق غير قانونية محاولاً أسقاط ماجد، ولكن محاولته تبوء بالفشل، الفشل الذي سيُفرح الملايين من عشاق المستديرة. ينفرد ماجد في الحارس، تصدح الموسيقى وتتلهف آلاتها الإيقاعية للحصول على حصة الأسد في الثواني المقبلة من بقية آلات الفرقة، تصبح الدنيا بمجملها أضيق من فتحة الإبرة في عين الحارس بينما ماجد يسير بعبثيته الجميلة، بسورياليته الأخّاذة ولا يشاهد أمامه إلا دمية تهتز له طرباً ولموسيقاه الجميلة التي يعزفها بأقدامه. ماجد لا يريد إرباك الحارس المسكين ولذلك يرى بأن عليه واجباً ألا يقذف الكرة بقوة قبل أن يصل إليه لأنه ولشفافيته لا يريد جرح مشاعره التي تتمزق في كل اتجاه لحظتها! يظن ماجد، وظنه يقين، بأن من الأجمل أن يترك الحارس يذهب يميناً ويتجه هو يساراً رغبة منه في رفع الحرج عن ذلك المسكين! بحركة جميلة من جسد ماجد يذهب الحارس يميناً، يذهب لمدراة أحلامه البائسة، يبكي حظه العاثر، ولكنه في داخله يستمتع، يفرح كثيراً بأن اسمه سيخلده التاريخ لأن ماجد قد سجل فيه هدفاً جميلاً كهذا الهدف! يسرى ماجد تتردد في أرسال الكرة للشباك التي تهتف لها مرحبة لسبب لا يدريه، ولكنه يخجل في النهاية من لهفة تلك الشباك للكرة فيرسلها على استحياء، يرسلها دائماً قريباً من القائم وكأن ضميره يؤنبه لما حدث للمدافعين وللحارس والذي سقط عن يمينه وكل خليه في جسده تبكي حسرة على حظه العاثر! تصل الكرة للشباك فتضمها بحنوٍ بالغ وهي تبثها شوقها لها، تصدح الموسيقى من كل مكان، تنتصر ألات الإيقاع على الآلات الوترية لحظتها، تزداد ضراوة الحرب الأهلية بين آلات الفرقة الموسيقية، يصدح الجمهور بموسيقاه الخاصة، تُفتن الدنيا بكل ما حدث ويحدث، ينطلق ماجد للأمام راكضاً وهو يرفع يده اليمنى كما لم يرفعها أحد! فـ يده اليمنى التي ترتفع عالياً هي أحد أهم ما يتميز به ماجد، ومميزاته لا تعد ولا تُحصى كلاعب خارق، أن له طريقة متفردة في الاحتفال بتسجيل الأهداف، وإن كانت الطريقة تتأثر بأهمية الهدف أو المباراة من عدمه. عندما يسجل ماجد الهدف، خاصة عندما يسجله بقدمه اليسرى، ينطلق راكضاً جهة اليسار من مكانه، ينحي بجسده ناحية الأرض يساراً قليلاً وكأنه يريد أن يهمس برسالة لمنطقة الجزاء في ملعب الخصم، أنا أحبك لأن أفراحي تنطلق منك أيها المستطيل الصغير! يستوي جسد ماجد فيرفع يده اليمنى باسطاً كفه بكاملها، تاركاً فراغات بسيطة بين أصابعه وهو يحي الجمهور والذي يبادله التحية بأمثالها، أحياناً إذا كان الهدف يمثل أهمية كبرى يقوم برفع يده اليسرى بعد اليمنى وكأنه يخاطبها، لا بأس سأترك لك فرصة للفرح أيضاً.

يده العظيمة تلك كانت تعنى إعادة الهدوء للعالم، منحه ساعة سلام، ساعة حب، ساعة أمن، عزف معزوفة موسيقية لن تتكرر، ساعة تغنيه عن الكثير من حياته الماضية التي عبرته بدون أن يعيش مثل هذا المشهد! يعود ماجد للملعب هادئاً متواضعاً وكأنه لم يفعل شيئاً بينما العالم من خلفه يكاد أن ينفجر من الفرح والحزن معاً، فهو وإن كان يهدينا الفرح فهو يهدي لآخرين حزناً عميقاً لن تمحوه الأعوام التي سيعبرها لاحقاً مهما تطاولت وهي تسير في طريقها اللامتناهي الامتداد!

بعد دخولي للجامعة بهت حبي لماجد والنصر، لم أعد أهتم لماجد وأهدافه، لمباريات النصر والمنتخب، انتبهت لاحقاً بأن ذلك قد بدأ فعلياً من بداية موسم 1994، في ذلك الموسم وما تبعه من مواسم لم أتذكر مرة واحدة بأنني سألت عن مباريات النصر ولا عن ماجد وأهدافه، يأتي الدوري وينتهي ولا أهتم كثيراً به، يفوز النصر ببطولة، ويسجل ماجد، كعادته الأهداف العظيمة ويفوز بلقب الهداف ولا أهتم كثيراً لهذا الأمر! وكانت عندما أساءل نفسي، ما الأمر؟ كنت أجيب بلا مبالاة، بأن الأمر يتعلق بالدراسة وتعبها والغربة وتغير الاهتمامات! مضى عمر طويل حتى نسيت كل ما يذكرني بالكرة وماجد والنصر!

 في أواخر عام 2013 دار نقاش بيني وبين الأصدقاء ‏@alghubein@enazisf@MO7AMMEDRUMAI7 عن النصر فقلت بأن الطفل يجب أن يتربى على عشق النصر وذلك لكي يكبر ويعرف بأن العالم ليس وردياً ولا جميلاً وبأن الصدمات ستؤلمه وبأن الفشل لن يكون غريباً في حياته وأن الأعداء سيكونون كالماء في حياته! كل هذه الصدمات ستجعله قوياً في المستقبل، لا يعرف معنى الهشاشة ومن هذا المنطلق قمت بشراء لباس رياضة لطفلي الصغير سيف ووضعت صورته في تغريدة بتويتر، كل ذلك لأزرع في ابني القوة، تلك القوة التي ينتجها الفشل بعد أن يتبين الإنسان سبب فشله! لكن في تلك السنة بدأ النصر في العودة للمنافسة وتحقيق البطولات ومع ذلك لم أكن أهتم كثيراً في تتبع أو متابعة مبارياته، كنت عندما أعلم عن فوزه في مباراة ما فأذهب لليوتيوب لمشاهدة أهداف المباراة فقط!

أعود لحديثي عن عدم مبالاتي بتشجيع النصر، حقيقة لم أفكر كثيراً بالأمر وعزيته إلى دراستي الجامعية وقتها ومن ثم الوظيفة والتقدم بالعمر واختلاف الاهتمامات، ولكن عندما غرد الدكتور سعود الصاعدي تغريدته عن ماجد ورددت عليه، أعادتني ذاكرتي إلى الأماكن القصية فيها فعرفت لماذا لم أعد أهتم بماجد والنصر والكرة!

في تلك السنة تقريباً كانت وفاة جدتي الحجية رحمها الله، لقد ماتت الإنسانة التي زرعت في داخلي حب الجمال والإبداع، تلك التي كانت دوماً ما تسألني عندما تشاهد أي مباراة على شاشة التلفزيون:

“ماجد هو يلعب”؟!

ماتت جدتي الحجية رحمها الله وغفر لها وعفا عنها، ماتت من كانت هي المعادل الموضوعي لحبي لماجد والنصر والكرة فمات مع موتها حبي لهما!

ويبقى السؤال عالقاً بلا إجابة:

” ماجد هو يلعب “؟!

ملاحظة:

لا تلوموني على كثر الفواصل وقلّة النقط فيما ورد أعلاه، لكن ربما لأنني أرى بأن ماجد عبارة عن جملة لا متناهية الامتداد من الإبداع!

  • كانت تغريدات الدكتور سعود التي استفزتني للكتابة في 18 سبتمبر 2021 وأتذكر بأنني قد بدأت في كتابة هذه التدوينة في ذلك الوقت، ولكني أُنسيتها للأسف كل هذا الوقت، فلم أجدها إلا هذه الليلة!

صرخة أخيرة في وجه الموت!

الإهداء:

إلى صاحبي الميت بعد أن غادرته “الحياة”، وتركته لضباع الخيبة في مفازة الغياب!

بالله وين الناس، يا راحليني؟

ياللي تركتكم خلفكم كل الأشياء!

بالله وين الناس، يا تاركيني

ياللي كانت “أتركك” كنها إغماء

بالله وين الناس، يا مبعديني

هذي حياتي دونكم صارت أشلاء

بالله وين الناس، يا غايبيني

هاتوا حياتي، ما بقى داخلي أءءء

ياللي خذيتوا القلب، وخافي حنيني

ياللي تركتوا الماء يستجدي الماء!

يا موحشة، يا دنيتي، يا سنيني

يا مُتعبة هالجرح في دمعته جاء!

يشرح عذابي فـ فيافي أنيني

ويبكي بدمعي كل جرحٍ معه فاء

فديت عمرك، فدوتك دمعتيني

فاضت عيوني موت، فاضت بي إعياء

يا موت بس شوي به كلمتيني

ودي تسمعهن! ترى كلها إطراء

يا موت بس شوي بي ضحكتيني

ودي “حياتي” تنتشي فيهن إغواء

ودي بـ”ياااارب” تطير من شفتيني

وتحط على قلبي وتشعل بي الياء

يا رب يا رب البشر يا معيني

تجمعني باللي بعدها صار لي داء

حاولت أكتب شي بخافي كنيني

بس اكتشفت إني أنا غلطة إملاء!

كتبت ألف وحاء ثم شرطتيني

كتبت نص الكاف وخانتني الباء

يا هـ”الحياة” اللي تلاشت بعيني

وش بي بقا وإلا رحل غير الأخطاء

أيه اعترف، كنتي “حياة” الحزيني

ومن رحتي والله ما بها أي إغراء

ليت بيديني، آآه ليت بيديني

ليت بيديني أنسكب داخلك حاء

حـ ب وحـ ياة وحـ لم وكل الحـ ـنيني

ثم أجمعك من داخلك وآشربك هاء

هـ لا، هـ ـلا بك، هـ ـمت بك يا ضنيني

هـ ـويت روحك، هايمٍ فيك يا “ماء”!

يا “ماء” أنا عطشان ليتك تجيني

ياللي اختصرت بـ”رشفتك”كل الأحياء

* * *

بعدك أنا بدنياي ضيّعت “ويني”

والشعر ماخذني على درب الإغواء

ملعون أبو شعرٍ ذبحني لِعِيني

ملعون أبو شعرٍ يعلقّني على لاء

لا للكلام ولا، لا، لا يبيني

أمسح كلامك واختصر كل الأسماء

وإن مت في حبك، لا لا تحتريني

خذ هـ”الحياة، وخلّ لي كل الأشلاء!!

رسائل متساقطة في مفازة النسيان!

قراءة أولى لـ لحظة هاربة من حياة فتاة بدوية!

الإهداء:

للروح القادمة من الأعماق، تلك التي تأخرت عمراً بأكمله، تلك التي صبّت سحابتها في قلبي قبل أن….!

في الكتابة عما “قبل الـ قبل”:

والله لولا الحيا لا أصيح 

ياما الحوادير ييتوني 

والضرس عذرٍ عن التبييح 

ما وديّ الناس يدروني 

في الكتابة عما قبل:

هي الأيام، هي الأيام الغادرة، هي الأيام العاشقة، هي الأيام المولعة بسرقة القلوب، هي الأيام المتلهفة على خيانة الأحباب وتفريقهم وتشتيت شملهم وموت أملهم وتفرق جمعهم وتزايد همهم وغمهم! نفسها تلك الأيام التي ابتسمت لهم سابقاً وأسعدتهم وأفرحتهم وأضحكتهم وأنستهم وآنستهم وزرعت الورد في دروبهم ونزعت الشوك من قلوبهم! 

تلك الأيام هي نفسها ولكن ما يميزها، أو ما تُحاول هي أن تُميز نفسها به، أنها متلونة وتأتِ بألف وجهٍ ووجه! وجه الحبيب الذي لم تكن تأمل برؤيته حتى في المنام ووجه “البغيض” الذي تكرهه وتتوجس من حضوره، وتتمنى لو أن بينك وبينه بعد المشرقين عن المغربين. هي نفسها تلك الأيام التي نحبها ونتمناها ونغازلها ونعشقها ونبحث عن رضاها حتى وإن غضبت منا وجفتنا!

يضيع الكثير من العمر بين ما نتمنى أن نعيشه وبين ما نعيشه فعلاً، ولذلك لا أجمل من تلك العبارة التي أراقها إنسان عزيز على قلبي في أذني وروحي: “لا أعرضت لك “الوناسة” لا تخليها”! وقعت تحت خدر تلك الجملة بسيطة اللغة وعميقة المعنى لعدة أيام ولا زالت تحفر في العمق بحثاً عن وميض أي “وناسة” قادمة لأتشبث بها وأعانقها حتى لو كانت من الماضي السحيق. و”الوناسة” هي السعادة استطيع أن أعرفها بأنها: “مرحلة السعادة القصوى”. وما أجمل أن تكون السعادة بقرب من نحب ونهوى ونتماهى معه ونشعر بوجودنا معه، وأن وجودنا قد أُعيد تشكّله وأتخذ بسببه ذلك المعنى الكامل الذي كنا نبحث عنه ونتمناه!

في زمن “ما قبل القبل” كان “الهوى” أي العشق مباحاً في المجتمعات البدوية الرحالة ومجتمع قبيلة الرولة أحدها، بل أنه من غير المستغرب أن يكون فلان “هويّ” فلانة أي حبيبها والجميع يعلم بذلك “الهوى” وربما تغزل باسمها دون أن يحدث له مكروه، على أن ذلك “الهوى” له ضوابطه المعروفة وعلى رأسها عدم حدوث التلامس بين العاشقين فلربما كانا في مكان واحد ويمكثان أيام طويلة بدون لقاء إلا إذا لمحها مصادفة عند “القليب” أو “الغدير” قد أتت “روّايّة” لجلب الماء إلى أهلها. وكان أعظم شرف قد يناله الحبيب من حبيبته، هو أن تسمح له بشرف مساعدتها في حمل “راوية الماء” أو القِرْبَة الثقيلة لوضعها على الجمل المخصص لنقل الماء، فهذا الشرف يجعله يعيش لأيامٍ طويلة وهو يلتذ بتلك اللحظة ويتباهى بها أمام أقرانه. أو قد تكون ذهبت مع صويحباتها “حطّابة” تجلب لأهلها ما يحتاجونه من حطب فيصادفها ويتبادل معها كلمات عجلى تتفتت حروفها بينهم قبل أن تصل لأسماعهم. 

كل هذا يتعامل معه المجتمع البدوي بطريقة مبسطة ويغض النظر عنه ما دام في حدوده المعروفة في مجتمع تكون فيه “ثيمة الشرف” حداً لا يمكن التهاون فيه إطلاقاً!

في كتابتي هنا لا أدعي سعيي إلى توثيق تلك الحياة الذاهبة ولا إلى تمجيدها وتقديم المبررات إلى القراء بصوابيتها من عدمها أو حتى نقدها، وإنما لوصفها بطريقة مبسطة لعل قراء هذا الجيل يستوعبونها بعيداً عن النظرة الانطباعية المسبقة التي يعيشونها حالياً لتفسير أو تعريف مفهوم العلاقة بين الرجل والأنثى خارج إطار مؤسسة الزواج! أنا هنا اقتنصت لحظة ميتة من تلك الحياة الذاهبة وحاولت نفخ الروح فيها وإعادتها للحياة ولو في قلوب وعقول وذاكرة من يقرأ هذه الأحرف!  

في الكتابة عما بين:

الأبيات أعلاه هي هجينية لفتاة رويلية عاشقة، خانها الرواة فخبئوا اسمها في حرزٍ عميق فلم نجده! كانت خطواتها، عندما تسير في أرض الحماد أو النفود، تغرس بذور النويّر والديدحان والقحويان خلفها وتترك لعبقها والمطر مهمة أنباتها! عشقت هذه الفتاة، والفتاة البدوية بالمجمل عندما تعشق “تهيجن” و”تهيجن” و”تهيجن” إلى أن تشاركها النياق التي ترافقها والغزلان التي تجاريها من بعيد “هجينيتها” ومع كل آهة تطلقها الفتاة تشعر الغزلان بأمان أكثر وتقترب منها أكثر وهي تستشعر معنى ذلك الأمان الجميل بقربها! “هجينيتها” تلك تهتز طرباً لها “أم سالم” وتتوقف عن الغناء وأن يستكن القطا في أمكنته ويستمع بكل حب لـها وقد نسي تماماً صيحته المشهورة عندما يطير” قطا قطا قطا” وتتمايل زهور القحويان والنويّر والديدحان على تلك الأنغام الجميلة فتغطي روائحها الجميلة كل الأمكنة! عندها توقن الفتاة بأن هجينيتها قد حملها الطير والحيوان وحتى الجماد فتصمت، وعندما تصمت يصيبها الوهن والذبول إذا لم يجمعها القدر بحبيبها كأن تحمل قطاة عابرة رسالتها لحبيبها أو أن تغني “أم سالم” هجينيتها في معشوقها في أحد “الريضان” فيسمعها المعشوق وتكون هي السهم الذي يسقط بين أضلاعه، أو تحمل تلك الرسالة ومضة برق نظرتها الحالمة له!

أحبت تلك الفتاة أحد شباب القبيلة، وأخفت حبها له عن الجميع بل ربما حتى عن المحبوب نفسه! ولأن البدو عامة في فصل الصيف يقطنون على “الجويّة” ومفردها “جوّ” وهي مجموعات الأبار التي يسمونها “القلبان”، أي جمع “قليب” وغالب هذه “الجويّة” التي تقع على حدود النفود والحماد تكون بعيدة عن المدن التي اعتاد أهل البادية في شمال الجزيرة العربية الامتيار منها تكون قريب من ريف البادية في بلاد الهلال الخصيب سواء في العراق أو بلاد الشام. رحلة الامتيار هذه يسمونها البدو “الحدرة” وأفرادها يسمون “الحوادير” وهي الكلمة التي وردت ضمن الأبيات. والحدرة قد تطول وقد تقصر ولكنها في الغالب لا تقل عن الشهرين، ولذلك علمت الفتاة بأنها لن تستطيع صبراً على أن تكون بعيدة عن “هويها” هذه المدة الطويلة. ولذلك حاولت بشتى الوسائل مرافقة القافلة ولكنها جوبهت برفضٍ قاطع من أهلها حتى هدتها الحيلة إلى الاعتذار بألم “الضرس” وأنها بحاجة إلى خلعه في تلك المدينة التي تقع على ريف البادية!

في الكتابة عما “بين البين”:

أن تُحب، يعني أن تنتمي، وأن تنتمي يعني أن تتلاشى فيمن تنتمي له، أن تراه بأنه هو السكن والوطن والكينونة والكيان والسعادة، أن يكون محبوبك هو سرورك ومسرتك وسرك وأسرك وسريرتك! أن تُحب يعني أن تستوطن الآخر ويستوطنك وهذا ما عبرت عنه هذا الشاعرة بهجينيتها البسيطة جداً من ناحية اللغة، العميقة جداً جداً جداً جداً من ناحية المعنى!

تذكر العاشقة في بداية هجينيتها ذلك المانع القوي والقيد المتجذر في نفس الأنثى البدوية، أنه الحياء، الحياء الذي أخرس لسانها وأقفل فمها عن زلزلة “نزل الفريق” بصيحة عظيمة تُشعر الأطفال بالرعب وتُخيف النساء وتجفل الإبل من “مُرحها” و”تِرهم” الخيل في مرابطها من شدة صوت صرختها. تلك الصرخة التي ستزلزل الكون بأجمعه وليس “نزل الفريق” الصغير بما فيه فقط! 

ولكن هل هي صيحة واحدة فقط وينتهي الأمر فقط؟ لا! ليس الأمر كذلك يا للأسف! إن الصيحة التي منع الحياء تلك العاشقة المتولهة من إطلاقها تبدأ من خروج معشوقها مع القافلة للامتيار، وتنتهي بعودتها إلى مضارب القبيلة. وهذه الرحلة لا تقل عن شهرين على أقل تقدير وهذا يعتمد على المكان الذي تقطنه القبيلة وقتها ومدى قربه أو بعده عن المدينة المقصودة للامتيار، أنها صيحة عظيمة ممتدة إلى اللا مدى!

لكم أن تستمتعوا بهذه المفردة العظيمة “التبييح”، والتي أتت من “باح” أي كشف السر، ولكن “باح” تنتصب في وسطها “ألف” شامخة تدل على المقاومة والصبر والكفاح بعكس مفردة “التبييح” والتي تخنقها من وسطها يائين حزينتين ومكسورتين. “يائيين”، اعتذر عن جرهما بدلاً من الرفع لأنهما للعاشقة وليس للغة أي شأن بها، كانتا تفضحان كل شيء، الصمت، العشق، البكاء، الندم، اليأس، وحتى الموت المختبئ خلف كل هذه الحشود!

من الواضح أن العاشقة حاربت بكل وسيلة ممكنة في سبيل مرافقة القافلة والاستمرار بقرب معشوقها وليس لها هدفاً سوى أن تكون قريبة منه لا أكثر، وعندما فشلت في مرافقة القافلة أدعت بأن “ضرسها” يؤلمها وأنها بحاجة ماسة لمرافقة القافلة لخلع ذلك الضرس عند الطبيب الموجود في تلك المدينة! 

عندما تمعنت في البيت الثاني مرة أخرى، وجدت بأن هذه العاشقة على استعداد تام لخلع ضرسها السليم وتحمل ذلك الألم الشديد الذي يرافقه وخاصة في ذلك الوقت الذي لم توجد فيه المخدرات الموضعية فقط لمجرد البقاء بقرب المعشوق تلك المدة القصيرة، على أن يبقى عشقها له سراً عن الجميع لا يعرفه أحد ولا تريد كذلك أن يعرفه أحد، ذلك البقاء الذي تتمناه قد لا يعني الالتقاء الدائم أو التواصل وإنما قد لا يعدو عن مجرد الشعور بوجود ذلك الحبيب بالقرب، فالقافلة ستكون سائرة من قبل شروق الشمس إلى غروبها والجميع سيكون منهكاً من طول المسير والتعب واللقاء قد لا يعدو كونه ضرباً من ضروب المستحيل!

وجمتُ للحظات وأنا أتساءل بيني وبين نفسي، كيف للحب أن يفعل كل هذا، كيف لهذا العشق أن يجعلك تتلاشى في ذلك الآخر وتذوب فيه إلى درجة ألّا تشعر بمعنى وجودك وكينونتك ومعناك خارج دائرة من تحب؟!

في الكتابة عما بعد:

لا أسوأ من أن تفقد الأمل في الحياة، في الحب، في ماهية المعنى، أن تشعر بأنك تُذبح في كل لحظة من الوريد للوريد! لحظتها ستفقد أتزانك، وقارك، صمتك، خوفك، ستشعر بأنك ميّت وإن كنت على قيد حياة!

هذي الهجينية هي رسالة من ضمن الكثير من الرسائل التي تساقطت في مفازة النسيان! والبدو الرّحل حياتهم سلسلة لا متناهية من المفازات، مفازة النسيان، مفازة الذاكرة، مفازة الحياة، مفازة الحب، مفازة الرحيل، مفازة العطش، مفازة الجوع، مفازة الخوف. ولأن حياة هؤلاء البدو قائمة على الارتحال والارتحال، ولأنهم أيضاً لا يجيدون حفظ الأشياء، أو بمعنى أصح لا يحبون التمسك بالأشياء، بالذاكرة، بالحياة فلا يرون بأن هناك شيئاً يعنيهم سوى اللحظة الراهنة، اللحظة الحالمة، اللحظة التي يعيشونها ويتمنونها! ولذلك كله يسقط منهم الكثير من الأشياء، الكثير من الحياة، الكثير من الذاكرة في تلك المفازات التي يعبرونها أو”تعبرهم”. وهذه الرسالة مما سقط في مفازة النسيان ولم أجد منها إلا أجزاء بسيطة وقد أكلت بقيتها ذئاب النسيان المتوحشة التي وجدتها في مفازتها! ه

ذه الرسالة قُدِّر لها أن تقع بين يدي وأن أحاول بقدر استطاعتي تفكيككها ومحاولة استخراج المخبوء فيها وكل الـ ما لا يُقال!  هي رسالة ولكنها ليست كأي رسالة، رسالة سقطت في مفازة النسيان قبل أن تلتقطها تلك الروح الجميلة وتريقها في أذني لأنتشي بها عمراً لا استطيع تقدير مدته!

ولهذا كله، ولأشياء أخرى فأنني أرى بإن هذه الرسالة كانت كصرخة طائر البجع الأخيرة والحزينة التي يطلقها قبل موته، والناس تحسب بأنه يترنم بأغنيته للحب والحياة، أنها تلويحة وداع تأخرت عمراً بأكمله قبل أن تمتد تلك اليد ملوّحة بالفراغ للفراغ! الفراغ هو من يكتب، والفراغ هو من يقرأ وقتها، والفراغ هي الذي يستطيع إنهاء كل شيء، كل شيء!

في الكتابة عما “بعد الـ بعد”:

أنا أظن، لا، أنا لا أظن، بل أجزم، وبما أن من روى القصيدة قد قال بأن هناك أبياتاً أخرى في الهجينية لم يحفظها، بأن البيت الأخير سيكون هكذا:

“ما أنساه والله وعليه أصيح

ما أنساه لو أنتم ذبحتوني”

هل قلت سيكون؟

بل يقيناً هو هكذا، يقيناً هو هكذا! 

لقد صبّته تلك العاشقة هذه اللحظة في أذني هذه اللحظة وغادرتني على عجل! وهنا سأستأذنكم لكيلا تسرقوا صوتها من أذني:

تعالي أيتها العاشقة أنقذيني بالشطر الأخير:

ما

أنساه

لو

أنتم

ذبحتوني!

إضاءة متأخرة:

بيتان من شعر الهجيني أُريقت في أذني واستطعمتهما روحي كالشهد بل أحلى! لم يصلني اسم الشاعرة التي قالتهما ولا زمنها الذي عاشت فيه، ولأنني لا أنوي في هذه الكتابة التأريخ للقصيدة وقصتها لمجرد التاريخ فقد افترضت جدلاً بأن الشاعرة قد قالت الأبيات في الفترة ما بين ١٣٠٠هـ إلى١٣٤٠هـ. وعلى هذا الافتراض بنيت كل ما في الكتابة التي بين أيديكم، لا لشيء إلا لأقول لكم مرة أخرى بأن التأريخ للقصيدة بشخصياتها الحقيقية لست معنياً به أبداً!

قــلــم بــاركـــر!

“قلم باركر”

في خامس ابتدائي مرّت المدرسة بحالة نشاط “لا صفي” كبير، حيث خُصص ثلاثة حصص في الأسبوع للأنشطة اللاصفية. قُسِّم الطلاب إلى مجموعات حسب اختيارهم، فهناك مجموعة المكتبة، مجموعة الاجتماعيات “الجغرافيا والتاريخ”، مجموعة الأعمال الفنية والرياضة وغيرها. ولأني كنت منبهراً بالكتب وعوالمها فقد انضممت لمجموعة المكتبة بدون أدني تفكير، وقد رحّب بي مدرس اللغة العربية والمسؤول عن المجموعة وحفزني بكلمات جميلة عندما قال لي بأن قراءة الكتب وتمعن ما فيها من أفكار ومعلومات هي من تصنع ثقافة الإنسان. دخلت المكتبة وتجولت فيها ورأيت كماً مهولاً من الكتب لم أره في حياتي من قبل، ولأول مرة أستعير كتاباً في حياتي، ذلك الكتاب هو “رحلات جيلفر”. أخذته معي للبيت وأخفيته عن الكل وقرأته بشغف كبير. في الأسبوع التالي وفي حصة النشاط وبينما أنا في المكتبة أتجول بين تلك النِعم التي لم أكن أحلم بها في يوم من الأيام وأمين المكتبة يساعد الطلاب في اختياراتهم دخل علينا الأستاذ صلاح مدرس مادتي الجغرافيا والتاريخ، وأخذني بالقوة وضمني لمجموعة “الاجتماعيات” بحجة أنني من الطلاب المتميزين في مادتيه! كان موقف مدرس اللغة العربية، المسؤول عن المجموعة، سلبياً فقد بقي صامتاً أمام توسلات عيني ولم يمانع في خروجي من المجموعة وأنا الذي كنت بين نارين، نار الرغبة في الكتب وعالمها الغامض الجميل ونار الخوف من أن أغضب الأستاذ صلاح، فلم استطع الدفاع عن رغبتي الجامحة في الكتب والمكتبة. ما أذكره هو أن نظراتي الحزينة قد سقطت على وجه مدرس اللغة العربية وكنت أشعر بأن ذلك الوجه كان بارداً جداً، لا يشبه برودته إلا أرضية رخام تسير عليها حافياً في ليلة شتاء شديدة الصقيع!

كان التاريخ عشقي، ولايزال، باعتباره قصص وأخبار ومعلومات و”سوالف الأولين” وكان خير مصدر لأرواء ذلك العشق هو المكتبة التي انتزعت منها انتزاعاً ورغماً عني. أما الجغرافيا فلم أكن أحبها كمادة وذلك لأن منهجها كان مليئاً بالدول والمعلومات المكثفة عن مناخها وتضاريسها واقتصادها وأهم المدن وغيرها من المعلومات التي لا تستهويني! لا زلت أذكر ذلك السؤال الذي أتاني في نهاية السنة في صف سادس ابتدائي عن المقارنة بين مناخ وتضاريس كل من دولتي ألمانيا وإسبانيا والذي فشلت في الإجابة عليه بطريقة كاملة. وللمفارقة الكبيرة فإن ألمانيا وإسبانيا هما الدولتان الأوربيتان الوحيدتان التي زرتهما في حياتي إلى لحظة كتابة هذه التدوينة! ربما كان عقلي الباطن ينتقم بطريقته الخاصة.

نعود لحديثنا، كانت مجموعة الجغرافيا مكونة من ثلاثة طلاب فقط، “أمين سر” المجموعة، وكنت أتساءل بعقلي الصغير عن “ماهية الأسرار” التي تكون في عملنا وتستدعي بأن يكون له أميناً يحفظ سره ويكتمه! والذي رُشح له الطالب الأكبر سناً مني وهو من طلاب الصف السادس، لازلت أحفظ اسمه، وأنا وزميل آخر لي، لا أتذكر اسمه الآن، كأعضاء من نفس الفصل، فصل خامس “أ”. أخذنا الأستاذ صلاح أنا وزميلي لمعمل الجغرافيا وأحضر لنا خشب “الأبلكاش” الرفيع وأعطانا مناشير صغيرة ورسم على الخشب بقلم الرصاص أشكال معينة لنقوم بقصها بطريقة احترافية وذلك لصنع خارطة المملكة العربية السعودية على لوحة كبيرة من الخشب، كان الخشب المقصوص بأشكال وأحجام مختلفة يرتفع ويُلصق بصمغٍ خاص فوق بعض لتوضيح التضاريس على الخارطة وخاصة الجبال حسب تدرّج ارتفاعها بحيث كنا نلوّن كل قطعة خشب بلون معين وذلك للتعبير عن الارتفاعات المختلفة وأذكر أن جبال السروات وخاصة بمنطقة الجنوب السعودي قد احتاجت لجهد عظيم منّا حتى ننتهي منها، وبالمقابل فإن منطقة الشمال السعودي لم تحتج أي مجهود منا فقد كانت سهلاً منبسطاً لم نضع أي قطعة إضافية ولم تكن بحاجة إلا لتلوينها باللون الأصفر الذي جعل منها مساحة هائلة للحياة والموت! استمتعت كثيراً وأنا “أدهنها” باللون الأصفر الفاقع الجميل، أنها أرض أجدادي البُداة الذين أغتالتهم المدنيّة. مكثت أنا وزميلي لأكثر من شهرين ونحن نعمل بمعدل ثلاث حصص أسبوعياً وهي حصص النشاط وأوقات متفرقة نسرقها من وقت “الفسحة” القصير وكذلك حصتي الإملاء والخط والتي كان من المفترض أن يدرسنا فيهما مدير المدرسة!

كانت نهاية العمل في اللوحة هو يوم الأربعاء، فقال لي الأستاذ صلاح بأنه سيتم كتابة اسمي واسم زميلي على اللوحة وسيكرمنا مدير المدرسة يوم السبت أمام الطابور الصباحي مع هدية عبارة عن طقم قلم باركر، والذي كان امتلاكه حلماً جميلاً لكل طالب في ذلك الوقت.

جاء يوم السبت، على غير عادته، بطيئاً وأنا أتوثب للتشرف بالسلام على مدير المدرسة والاستماع لأسمي الثلاثي يتردد في أرجاء المدرسة وأتخيل كيف سأضع قلم الباركر في جيب ثوبي العلوي وكيف سأعود للبيت وأُريه أهلي ومدى فرحتي المرتقبة بمفاجأتي لهم بمثل هذه المفاجأة النادرة في ذلك الزمن!

بدأت الإذاعة كالمعتاد، القرآن كريم ثم الحديث الشريف وبعد نهاية الفقرات أتى دور التكريم. بدأتُ أتأهب للانطلاق وأنا أتحدث مع زميلي، الذي كان يقف بجانبي ويتأهب مثلي، عن لون قلم الباركر هل هو أسود أم أزرق! تفاجأت باسم أمين المجموعة يدوي عبر مكبرات الصوت في أرجاء المدرسة، يدعونه للتشرف بالسلام على مدير المدرسة ويستلم الجائزة منه وهي عبارة عن طقم أقلام باركر وهو يقدم له اللوحة وهي ممهورة باسمه! صعد “أمين السر” وهو يسير بطريقة واثقة ويلبس ثوباً عديم اللون أو هكذا تخيلته لحظتها. يُعطي المدير اللوحة ويتسلم منه طقم أقلام الباركر وهو يدير وجهه لطلاب المدرسة الواقفين في الطابور الصباحي وترتسم على محياه ابتسامة النصر بإنجازه العظيم، إنجازه العظيم المسروق!!

أخرستني المفاجأة وأنا أقف في طابور المدرسة، كان صدري يكاد أن ينفجر بسبب الحرارة التي أصبحت تتقد داخله!

الحصة الثالثة في ذلك اليوم كانت حصة الجغرافيا، دخل أستاذ صلاح وهو يبتسم ويشكرني أنا وزميلي، لم أرد عليه أو أسأله، ولكن زميلي الذي كان غاضباً سأله بغضب: “وليه ما كرمنا المدير يا أستاذ، وليه اسم فلان على اللوحة وهو ما أشتغل فيها”؟؟ابتسم الأستاذ صلاح ابتسامة بلهاء لا معنى لها وهو يقول، “فلان هو أمين المجموعة وهو بصف سادس وأكبر منكم ولازم يكون التكريم لكم باسمه وتكريمه يكون تكريم لكم جميعاً”! شعرت بداخلي بصرخة في داخلي كصرخة المطعون من الخلف غدراً وهو يحاول أن يلتقط آخر أنفاسه متسائلاً: “ليه طيّب”؟

“ليه طيّب”؟ لا زالت وبعد مرور كل هذه السنوات الطويلة تسترجع صوتها بين فينة وأخرى عند مرور موقف مشابه لذلك الموقف! غضبت ولكني كتمت غضبي والمدرس يحاول أن يسترضيني بأنه سوف يشتري لنا هدايا خاصة تعبيراً عن شكره لجهودنا وامتنانه. شكرته وأخبرته بأنني لن أقبل إلا هديتي من المدير، وأخبرته أيضاً بأن غضبي الأكبر ليس لعدم إعطائي الجائزة لأنني لم أعمل من أجلها، وإنما لأن الجائزة ذهبت لمن لم يفعل شيئاً فالطالب لم يدخل المعمل لحظة واحدة فكيف يحصل على الجائزة؟!

منذها ترسخت كراهيتي الشديدة لشيئين؛ كلمة “أمين”، و”العمل الجماعي” غير واضح المهام والاختصاصات!

لا أتذكر إلى هذه اللحظة بأنني قد شاركت بأي عمل جماعي كبير آلية عمله غير معروفة، بل أنني أنفر بشدة من جميع الأعمال الجماعية مهما كانت ما لم تكن محددة المسؤوليات والمهام بطريقة واضحة جداً! وأيضاً اقتنعت بأن من يسيء إلينا أو تكون الإساءة إلينا عن طريقه، حتى لو لم يعلم، لن ننساه! سيختزنه العقل الباطن طويلاً وسيسترجعه عند أول حالة تذكر للموقف أو ما يشابهه من المواقف. أيضاً عرفت بأن كثير من نكون معهم مدة طويلة وتكون علاقتنا بهم عادية أو تحت ما يحكمه ظروف العمل أو ظرف المكان والزمان، سُرعان ما ننساه، لذا إذا أردتم أن تبقوا في ذاكرة الآخرين طويلاً أزرعوا وجوهكم وأسماءكم فيها بأفعال أو أحداث أو قصص يكون وقعها قوياً في ذهن المتلقي بشرط أن تكون من النوع الجيد أو على الأقل غير المؤذي! فإذا لم تستطيعوا فعل ذلك فكونوا كزميلي، الذي جمعني به مكان العمل لشهرين تقريباً ومع ذلك لم تحتفظ ذاكرتي لا باسمه ولا رسمه، كونوا كـ أياه تمرون خفيفاً على الذاكرة لا تؤذون أحداً ولا تتركون في قلبه ندبة سوداء تنبض بالألم كلما مرّت على الذاكرة أسمائكم!

في محاولة كتابة سبعة رسائل إلى أمي!

 

في محاولة كتابة سبعة رسائل إلى أمي!

 

1- الرسالة الأولى: في معنى النسيان وأزمنته السحيقة:

منذ أن كنت طفلاً صغيراً يا أمي وأنتِ تنصحيني بأن لا أبكِ، وتوبخيني عندما لا أستجيب لنصيحتكِ وتعنفيني أكثر وأنتِ تخاطبيني قائلة بأنني رجل وأن البكاء لم يخلق للرجال!. والله يا أمي تقيدت بنصيحتكِ كثيراً حتى أن والدي رحمه الله عندما لوّح لي تلويحته الآخر وغادر وأنا أحاول تفسير نظراته الأخيرة، وهم ينعشون قلبه الذي توقف، لي لم أبكِ عليه لحظتها، تذكرت عبارتكِ بأن الرجل لا يبكي فأنكفأ الدمع للداخل ببساطة!. خرج كبير الأطباء من غرفة العناية المركزة التي مُنعنا من دخولها وأخبرني بفشلهم في انقاذ حياته وأن ذلك القلب الذي أعطى كثيراً وسامح كثيراً وغفر أكثر قد وصل لمحطته الأخيرة وآن له أن يرتاح ولذلك توقف عن النبض!. قدم لي واجب العزاء ذلك الطبيب فتقبلت العزاء وقبله الخبر بنفس راضية وأنا استرجع وأحوقل وأفكر بكِ وكيف ستتقبلين الخبر بأن رفيق عمرك لأكثر من خمسين عاماً قد تركك في لحظة سهو منكِ!. وقتها يا أمي كان ما يسيطر علي أنا وأشقائي والأقرباء الذين أحاطوا بنا عند غرفة العناية المركزة هو كيف ننقل الخبر إليكِ. لم يجرؤ أحد منا على فعل ذلك، أستعان الأقرباء ببعض القريبات لكي ينقلن لكِ الخبر الحزين، ولا أدري كيف فعلن ذلك والله.

أنا يا أمي وعدتكِ بأشياء كثيرة، ولكن الشيء الوحيد الذي لم أعدكِ به هو البكاء عندما تغادرينني للمرة الأخيرة، ولذلك بكيت/ لأكثر من خمس دقائق حتى تحول بكائي لنحيب، على كتف صديقي كطفلٍ صغير فقد أمه وحليب أمه ورائحة أمه وصدر أمه وطمأنينة أمه، بكيت ولم أنتهِ من البكاء من تلك اللحظة إلى الآن!.

 

2- الرسالة الثانية: في معنى الحنين وخناجره المتجددة:

لا أدري كيف أخبركِ يا أمي بأنني أراكِ في كل شيء، أراكِ في وجه ابنتي الصغيرة وفي يديها الصغيرة وفي أنفها الأجمل، يا أمي أفكر في أن أخرق أنفها لأضع لها زماماً يشبه زمامكِ الذي كنتي تزينينه أكثر مما يزينكِ!. ذلك الزمام الذي فشلت جدتي “الحجية”رحمها الله في نزعه من مكانه عندما أتاك الطلق بأخي الصغير الحبيب “القعدة” والذي نال لقب “بستان القلب” عن جدارة. لا أتذكر من كان يحملك وقتها لسيارة الفولكس واجن الصغيرة للذهاب بكِ إلى المستشفى، فوالدي لا يمتلك سيارة ولا أظن بأنه كان موجوداً وقتها، من “خالفة المحَرَمْ” في بيت الشعر الذي جعلتيه في أعيننا قصراً كبيراً وجدتي تركض معهم وهي تنزع “مجولين” من معصمك وخاتم ذهب وآخر فضة. بعد عمر طويل سألت جدتي رحمها الله لماذا كانت تصر على نزع “الزميّم”، قالت لي بأنه هدية من والدي لأمي وأنها تخاف أن يُنزع منها في المستشفى ويختفي بعدها!. أفكر في ابنتي وأتراجع لأن زمانها مختلف جداً عن زمني وزمانكِ.

أراكِ في صحن “رز أبو بنت” وأنت تقومين بتنظيفه بعد أن يذهب أخواني في الصباح للمدرسة وتزيلين الورق الصغير المرسوم عليه وجه بنت وأنا بجانبكِ أقوم بتجميع الصور الصغيرة وأصنع منهن شقيقات صغيرات يلعبن معي حتى عودة أشقائي من المدرسة. أنتِ الذي لم يشاء الرحمن أن يرزقكِ ببنت كما كنت تتمنين!.

أراكِ في حليب الزنجبيل الذي أحرص على تناوله كل شتاء لا لشيء إلا لأنه يشعرني بأني لازلت قريباً منكِ،قريب إلى حد أنني استشعر كلماتكِ لي ما بين المتوددة والمتوعدة وأنت تطلبين مني تناول الكوب الثاني من الحليب قبل أن أغادر صباحاً للمدرسة وأصبح تحت سطوة شوارع طريف الباردة و”الحليت” الذي يكاد أن يخترق الدماغ عندما تلامسه الأقدام شبه العارية!.

أراكِ في “شوربة الجريش” في رمضان وأنت تقومين بتجهيزها قبل الظهر وتضعينها على النار بعد صلاة الظهر وتراقبينها على النار الهادئة كطفلِ وحيد تولينه كل اهتمامك ومشاعركِ.

أراكِ في “المغزل” و”النطو” وكيف تغسلين الصوف ومن ثم تنشرينه لأيام وبعدها “تنفشينه” بالخيزران ليتخلص من “الحسك” والوسخ الذي لا يزال موجوداً فيه وبعدها يأتي دور المغزل والغزل وغناءك بصوتك الخفيض الجميل بلحن يفشل أعظم موسيقيّ العالم أن يتمثله في مخيلته. هذا الغناء الذي سألتك عنه قبل سنوات من رحيلك فلم تجاوبيني كعادتك عندما أسألك عن كل ما يجلب لك الحنين والوجع لأيامٍ لن تعود. رحلتي وتركتي لي الحنين والوجع وخناجرهما المتجددة يا أمي!.

 

3- الرسالة الثالثة: في معنى التخلص من أشياءك القديمة:

نسيتي أشياء كثيرة داخلي، ولا أدري هل أنا دقيق في اختيار كلمة “نسيتي” أم أنكِ تركتيها عمداً لكي أستذكركِ في كل صباح وأشاهدكِ وأنتِ “تعجنين الطحين وتوقدين الحطب وتضعين الصاج عليه والعصا بجانبكِ لكيلا أقترب إليكِ خوفاً من أن أقع في النار!. كنت أريد أن أخبركِ بعد أن كبرت بأن خوفكِ علينا كان مرضياً، لكنني فشلت في مرات كثيرة والله!. حتى عندما ذهبت للدراسة في الرياض أو كما تسمينها لـ “ديرة الغربة” كنت استشعر ذلك الخوف في نبرات صوتكِ عندما أحادثكِ عبر هاتف العملة والذي نعاني في إيجاد العملة المعدنية حتى نستطيع الاتصال وبعدها نعاني في إيجاد هاتف صالح للعملة ولا يكون مزدحماً بمن يكاد يفضحهم الشوق وهم يرسلون مشاعرهم عبر هذه الأسلاك اللامتناهية الامتداد!.

لنعد لخبزكِ على الصاج، صح، أنا يا أمي كثيرة هي فواصلي في الحياة والأكثر منها الجمل المعترضة الطويلة التي أكتبها أو تكتبني، أشعر كثيراً يا أمي بأن حياتي جملة معترضة طويلة لا بداية لها ولا نهاية، غير مفهومة، مليئة بالفواصل وتكاد أن تنعدم فيها النقط!. أعلم بأن من يقرأ هذه اللحظة هذه الأحرف سيصاب بالدوار لأنه لن يفهم شيئاً وربما سيقفل المتصفح، ولا ألومه كثيراً لو فعل ذلك، فأنا والله لا أدري إلى أين ستنتهي بي تلك الفواصل اللعينة وتلك الجمل المعترضة اللانهائية!.

ما هذا العبث؟، لنعد للحديث عن خبزكِ للصاج، تتذكرين ذلك يا أمي، كنتِ تقومين بتقطيع العجين لأقراص صغيرة وبعدها تأخذين القرص وترققينه بيديكِ الجميلتين وما أن يكبر قليلاً حتى تقومي بتقليبه بين كفيكِ ومع كل حركة يزداد حجم القرص ويصبح رقيقاً أكثر، تستمرين بعملية نقله من كف لآخر بمهارة عجيبة لا أعرف إلى الآن ما هي طريقة عملها الصحيحة وأنا المولع بمعرفة كيف تتكون الأشياء، وبعد أن يكبر تستعينين بساعديكِ ليزداد حجم الرغيف لأكبر قدر ممكن وبعد أن يصل لمنتهاه في الحجم تضعينه بخفة على الصاج في عملية لا استطيع تشبيهها الآن إلا برئيس فرقة أوركسترا  يشير لفرقته الموسيقية  الكبيرة فتتحرك متسقة وبنغم واحد!. تقومين بتقليب الخبز والذي يبهرني عملية نضجه وكيف يتحول العجين من وضعيته الرطبة إلى شيء أصلب قليلاً مع ليونة عجيبة وبخار الماء الذي يتصاعد إلى الأعلى إلى أن يختفي وتتحول رقاقة العجين إلى خبزة شهية. كان أكثر ما يعجبني في الرغيف تلك النقط السوداء الخفيفة التي تتكون عليه. كنتِ تعرفين بأنني أحب طعم الخبز الساخن فتعطيني قطعة من الرغيف الثاني، وأنتِ تقولين: “يا وليدي الرغيفة الأولى ما هي لك”!.

أخبرتيني لاحقاً بأن المرأة “الجيدة” هي صاحبة الرغيف الكبير وغير النيء أو المحترق، وأشهد شهادة حق لك يا أمي، أنكِ امرأة “جيدة” بكل ما تعني هذه الكلمة في لهجتكم اللذيذة من معاني.

 

4- الرسالة الرابعة: في معنى “وش يعرّفك؟”:

وهذه “لزمتكِ” المحببة إلى قلبي والتي تلجئين لها عندما أناقشكِ وترفضين الاقتناع بكلامي وتصرين على رأيكِ وتنهين النقاش بـ: “أنت وش يعرفك يا وليدي، تراك تو طلعت للدنيا”!. كنت في مراهقتي أغضب وأحاول أن لا يخرجني غضبي إلى دائرة العقوق، وعندما تعلمت، أو هكذا ظننت، شعرت بأنني يجب أن أواجهكِ بعدم صحة كلامكِ دائماً. عندما تكاثرت أمراضكِ أوكلت لي مهمة متابعة حالتكِ الصحية وتوفير الأدوية خاصة وأنني صيدلي ويفترض أنني أفهم على الأقل في مجال الأدوية ومع ذلك لم تصدقيني في يومٍ ما بشأن نصائحي لكِ وتوجيهاتي الطبية!. كانت أقرب امرأة تزوركِ وتعطيكِ أي معلومة بخصوص دواء معين إلا وتتمثلينها وكأنها اليقين وأفشل بتغيير فكرتكِ عن ذلك الدواء سلباً أو إيجاباً وتعيدين على مسمعي: “أنت وش يعرفك يا وليدي، تراك تو طلعت للدنيا”!. حتى أتى ذلك اليوم الذي نصحتكِ بعدم تناول علاج معين ولكنكِ رفضتي وحدث ما كنت قد قلته لك حرفياً، ومنذها أعطيتيني “الخيط والمخيط” كما عبرتي يومها في ما يخص الأدوية. فرحت والله بتلك المنحة وكأنها كانت تعني تخرجي من الكلية في ذلك الوقت. كان ذلك فقط في مجال الأدوية أما بقية النقاشات التي تدور بيننا فتحضر الجملة القاطعة والتي أحببتها في سنواتكِ الأخيرة وصرت أستعذبها منكِ: “أنت وش يعرفك يا وليدي، تراك تو طلعت للدنيا”!.

فعلاً يا أمي، أنا أعترف لكِ هذه اللحظة، أنا الولد المتحذلق، مدعي الفهم، الولد الذي دائماً ما يشاغبكِ، أنا الولد نفسه الذي يعترف لكِ الآن بأنه فعلاً لا يعرف شيئاً!.

 

5- الرسالة الخامسة: في معنى أن تحاول قول الشعر وتفشل:

أمي، كوالدي رحمه الله وككل بدوي، أمتطى ظهور الإبل على ما أظن، يقول شعر الهجيني، وأظن بأن الأمر له علاقة بحب البدوي لناقته من جهة ولحب الناقة للأرض التي تسير عليها فتتهادى الناقة على الأرض وهي تسير عليها وكأنها تغازلها بأخفافها “الخفيفة” فتنتج ألحاناً يسمع البدوي همسها وحنينها فيضطر للتعبير عن شعوره بكلمات تتماهى مع ذلك اللحن فتخرج منه على شكل كلمات موزونة وبدون حتى أرادته!.

استطراد غبي لكن لا مانع من محاولة التماهي مع ذلك الغباء بود، أرجع لمحور حديثي، كانت أمي ولأنها حتى عندما تخلت عن حياة البادية ككثير ممن جايلها قد احتفظت بأعماقها بخطوات ناقتها ومعزوفاتها التي تخرج من أعماق العقل الباطن فتلقي عليها كلمات كيفما اتفق فتزهر تلك الكلمات شعراً جميلاً!.

في أحد المرات وأنا استعد للسفر للرياض للعودة للجامعة ناولتنيي ورقة بخفية عن بقية العائلة واستحلفتنيي ألا أفتحها إلا عند وصولي لغرفتي بالسكن الجامعي في جامعة الملك سعود. عندما وصلت للسكن كان أول شيء فعلته بعد أن دخلت غرفتي أن رميت حقيبتي من يديي وأخذت الورقة من جيبتي وفتحتها فإذا هي “هجينينة تتكون من خمسة أبيات منها:

يا طايرة لا تطيرني

شوفي بعيد المسافاتي

أبيك لوليدي توديني

سكن بديارٍ غريباتي

لم استطع أن أرد عليك ببيتٍ واحد!. ومنذها عرفت بأنني لست بشاعر وأن كتبت “خرابيش” كثيرة وسميتها شعراً وربما أعجبت البعض هنا أو هناك!.

الأهم يا أمي، اعتقد بل وأجزم بأنكِ تعلمين بأنني لم أرثكِ بقصيدة ولم أكتب برثائكِ أي شيء آخر غير الشعر، فقط كتبني البكاء، وأظنه أصدق من الشعر، وكذلك كتبني الصمت وأجزم بأنه أصدق من الكلام!.

يا أمي تفهمين حديثي، صح؟، سأكمل بفواصلي اللامتناهية. اعترف بأنني بعدكِ كتبت ألاف القصائد السخيفة ومئات الصفحات من النثر الأكثر سخفاً ومع ذلك لم أفكر يوماً في كتابة ما تستحقينه من رثاء!.

 

 

6- الرسالة السادسة: في معنى الفراغ الذي يتألم:

“……………………………………………………………………………………………………….”!.

 

 

7- الرسالة السابعة: في معنى أن تحاول الكتابة وتفشل:

تتذكرين ذلك؟، مؤكد بأنك تتذكرين مدى غضبكِ مني وأنا أقرأ على الضوء الخافت وأنت تؤنبيني بأن “هالأبيض يا وليدي ترى يسرق الشوف، ترى شوفك يسرّب وأنت ما تدري”!. لكن ما لا تعرفينه بأنه قد حدث ما كنتِ تتخوفين منه، لقد “سرّب الشوف” واحتجت للبس نظارة لأجل القراءة، الآن لا استطيع أنا أقرأ حرفاً واحداً من دونها!. أيضاً عندما أفشل في فهم بعض كلامكِ الموارب وألغازكِ وأسألكِ عن المعنى فتجيبيني بمرارة:” هالجيل ما يعرف قفو الحتسي، ما يعرف إلا هالأبيض بالأسود”!. أنا يا أمي هذه اللحظة لا أعرف “قفو الحتسي” كما أنني لا أعرف الكتابة وأفشل كثيراً في قول ما أريد قوله، ولا أتذكر بأنني، من بعد مغادرتكِ قد كتبت شيئاً وأعجبني، كل ما أكتبه أراه مسكون بالنقص ولا أدري لماذا؟!

كنتِ تشجعيننا على طلب العلم والدراسة وأنت الأمية التي رحلت وهي لا تعرف كيف يكون شكل حرف الألف!. ومع حرصكِ على تعليمنا كنت لا ترين بأن التعليم “المدرسي” الذي نتعلمه هو التعليم الحقيقي بل تريدنا أن نتعلم من الحياة للحياة، وعندما تغضبين منا بسبب سوء تصرف أو سوء تقدير أمر من الأمور كنت ترددين: “كف حلّا، والله ما تعرفون كود هالأبيض بالأسود” كناية عن الكتابة على الورق!.

مضى العمر يا حبيبتي وأنا لا أعرف أن أعبر عما بداخلي بصدق، كل ما أكتبه هو فوضى وهباء، كل ما أكتبه، وخير مثال هنا، هو مجرد “لا شيء” مقارنة بما أريد أن أكتبه في مخيلتي!.

مضى العمر يا حبيبتي دون أن أخبركِ كم كنت أحبكِ، وكم كنت “اشتاقكِ”، وكم كنت أهابكِ، وكم كنت أخاف أن أغضبكِ، وكم كنت عاقاً في الاهتمام بكِ، مضى العمر يا أمي وأنا لا استطيع كتابة رسالة بسيطة لك، مجرد رسالة بسيطة!. أنا “مكسور”يا أمي، “مكسور” أكثر من جميع”الكسرات” التي حاولت أن أضيفها لكِ يا أمي!.

 

 

  • هامش أكبر من نص:

أظنه حان الوقت لأعترف لكِ:

أنا يا أمي لا أعرف الكتابة، ولأجل ذلك سامحيني لا استطيع الكتابة لكِ!.

 

 

تلويحة متأخرة لآخر الفرسان!.

 

تلويحة متأخرة لآخر الفرسان

ولدَ حيث الحرية، حيث الحياة، حيث الحلم، حيث صحراء النفود تطلق ساقيها للريح حتى تمنح الحماد ذلك الامتداد اللانهائي، حيث إبل القبيلة ترى أشجار الروثة والحمض وتذهب حيث تشاء!. كان مولده بعد مولد والدي رحمه الله بعدة أعوام، ولذلك أظن بأنه قد ولد في عام 1345هـ، ولا يغنيني ظني من الحق شيئاً، وبالمجمل لا يعني تاريخ مولده شيئاً لأن البداة لا يعنيهم التاريخ “الرقمي” مطلقاً!. ولأن والدي ليس له أشقاء كان بمثابة الشقيق له، لعبوا سوياً وحلموا سوياً، وعندما تظافرت كل عوامل الأرض وأهلها ضد البداة شعروا بالاختناق فكان الإعلان عن فتح المجال للتجنيد في الجيش السعودي نافذة الأمل غير المتوقعة والتي ستنتشلهم مع جيلهم من الموت اختناقاً، يمموا وجهتهم نحو مدينة الطائف مقر الجيش السعودي آنذاك. حتى أن تلك السنة قد سُميت عند قبيلة الرولة بسنة “كَتَبْ الطايف” على عادتهم في تسمية السنين بأبرز الأحداث التي تقع فيها!. أغتنم شباب القبيلة تلك الفرصة العظيمة وانطلقوا على أقدامهم من صحاري الحماد إلى الطائف وهم يفتقون ظلام الليل بنجومه لكي يفتحوا كوة تطل منها شمس الأمل!. ذهب هو والجميع باستثناء والدي رحمه الله, وقد تحدثت عن عدم مرافقة والدي لهم في هذه التدوينة.

 

دخلوا سلك الجندية بعد وصولهم مباشرة. صدمتهم هذه الحياة الجديدة، لم تكن كما كانت مخيلتهم والتي اختزنت أنهم سيحصلون على الأسلحة والخيل ومن ثم يذهبون لتحرير فلسطين من رجس اليهود وهناك سيمارسون فروسيتهم المنتظرة!. كان هناك طابوراً صباحياً وهناك تدريبات قاسية وهناك لبس غريب لم يألفوه وهناك من يأمر بقسوة وينهى بقسوة وكذلك هناك من يعاقب ويسجن وهناك نظام يجب أن يلتزم به الجميع!. لم يألف أولئك البداة هذه الحياة الجديدة، كثير منهم اعتبر بأن هذه الحياة الجديدة التي يعيشها هي مجرد قيد وسجن حرية له وليست تلك الفروسية المأمولة التي قطع مئات الكيلومترات على أقدامه للوصول إليها. ولذلك لم يدم الأمر طويلاً فقلة من فرسان القبيلة الصغار استطاعوا التكيف مع هذه الفروسية الجديدة. غالبيتهم بعد مدة من الزمن وبمجرد أن جمعوا مبلغاً قليلاً يحفظ ماء وجوههم أمام أهاليهم خلعوا بدلاتهم ولبسوا ثيابهم القديمة وخرجوا ليلاً وأعينهم معلقة بنجم الجدي واتجهوا شمالاً حيث الحياة التي كانوا يأملون في استعادتها وقد خاب أملهم!.

كان من أولئك القلة الذين بقوا “عمي” الذي أكتب هذه التدوينة عنه وله وفيه. كان شاباً شجاعاً، طموحاً، مغامراً، وسيماً، ذكياً، وعاقلاً. ولذلك استطاع التدرج في سلك الجندية سريعاً حتى وصل إلى رتبة ملازم بعد أن أنهى دراسة الابتدائية ودخل دورة الضباط.

وقف أمام المرآة وهو يرى اسمه، الملازم قياض سالم الرويلي. شعر بالفخر والفروسية الحقيقية، لقد كان من أوائل فرسان القبيلة الجدد في الجيش السعودي إن لم يكن أولهم على الإطلاق!.

كان طوال تلك الفترة يرسل لأهله ما يعينهم على شظف الحياة ويقوم بأودهم وبقية الإبل التي كانت تعاني من قلة الماء والكلأ!.

في عام 1375هـ تقريباً حدث تمرد في جبل الريث جنوب المملكة فأرسلوا عدة كتائب من الجيش لتطويقه والتعامل معه، وكان من ضمنهم عمي. كانت الحرب في بدايتها حرب مشاة فقد تقدم جنود الجيش وضباطهم وتسلقوا جبل الريث وبدأ بينهم وبين المتحصنين في رأس الجبل إطلاق النار بحيث كان يطلق النار مجموعة وتتقدم مجموعة أخرى. وفي أحد المرات التي أراد عمي ومجموعته التقدم ألتفت إليه أحد زملاءه من الجنود في المجموعة الأخرى فرأى رأس عمي يطير في الهواء!. كان المنظر مرعباً إلى درجة أن ذلك الجندي، وكان حديث عهد بالتجنيد، ألقى سلاحه وفر هارباً لا يلوي على شيء. عندما وصل إلى أهله في أطراف نجد أرسل “خط” أي رسالة إلى أحد أقارب عمي يخبره بمقتله والذي بدوره نقل الخبر لأهله فعم الحزن جميع أفراد العشيرة لموته. مرت عدة أشهر قبل أن تصل رسالة من عمي، وقد وصله الخبر بأن هناك إشاعة بمقتله، يخبرهم بأنه بخير ولله الحمد. في تلك المعركة لم يكن رأس عمي هو من طار عالياً كما توهم ذلك الجندي المسكين بل خوذته الفولاذية لأن الرصاصة التي أطلقها أحد المحاربين في الجبل مرت ما بين رأسه وبطن الخوذة فاقتلعت الخوذة وأصيب عمي بخدش بسيط. انتهت المعركة بانتصار الجيش وعودة الجنود لثكناتهم.

في بداية الثمانينات الهجرية قرر وزير الداخلية آنذاك الأمير فهد بن عبدالعزيز إنشاء قطاع سلاح الحدود لمفتشية الحدود الشمالية الغربية وإمارة القريات وكلّف في ذلك الوقت المقدم محسن اليعيش رحمه الله بإنشاء ذلك المرفق الهام واستلام صلاحية حفظ الحدود والمراكز من هجانة ودوريات الإمارة. فطلب محسن عدة ضباط من ضباط الجيش السعودي ممن يثق بقدرتهم في مساعدته للقيام بمهامه على أكمل وجه وكان من ضمنهم عمي.

نسيت أن أقول بأن والدي رحمه الله كان بدون عمل ولذلك ساعده عمي في الالتحاق بسلاح الحدود وخفر السواحل في ذلك الوقت عندما احتاجت الإدارة الجديدة للمزيد من الجنود للقيام بالمهام المنوطة بها. بعد فترة انتقل عمي لجدة وبقي والدي في القريات عدة أعوام.

عندما أتيت للدنيا أسمتني أمي رحمها الله “متعب” وذلك لأنني أتعبتها في الولادة واضطر والدي رحمه الله لاستئجار سيارة من القريات إلى عرعر حيث مستشفى أرامكو المتطور وذلك لأنني اعترضت في بطنها رافضاً للخروج مما استدعى ضرورة التدخل الجراحي لإخراجي بالقوة وكان المستشفى في القريات غير مؤهل للقيام بتلك العملية القيصرية لسببٍ لا أعلمه فطلبت الطبيبة المُعالِجة من والدي أن يأخذ أمي إلى عرعر وهكذا كان!.

أرسل والدي رسالة إلى عمي في جدة يبشره بأن هناك طفلاً مشاغباً قد أتى لهذه الدنيا. فرح عمي كثيراً بالخبر وأرسل رسالة طلب فيها بأن يتم تسميتي باسم “عبدالعزيز” ومعها هدية كبيرة. كانت الرسائل في ذلك الوقت تأخذ في الذهاب شهر أو أكثر وفي العودة كذلك. عندما وصلت رسالة عمي كان عمري قد قارب الخمسة أشهر فلم يتم أخذ الطلب بمحمل الجدية. بعد شهرين من وصول الرسالة أتى عمي لطريف، حيث استقر والدي رحمه في طريف بعد ولادتي مباشرة، زائراً لوالدي فأقام والدي على شرفه وليمة ولكنه عندما وضعت الذبيحة أمامه أقسم بأن لا يأكل منها حتى يتم تسميتي بـ “عبدالعزيز”. كان يرى بقدومي لهذه الدنيا بُشرى عز وخير وليس تعب لوالدي رحمه الله، وهكذا كان، أصبحت “عبدالعزيز” وبقي “متعب” مجرد حلم لم يكتمل!.

مرت السنوات عجلي كطفلٍ استمتع بالركض هرباً من والدته بعد أجاد ممارسة الركض في غيابها!. نقل والدي لطريف ورجع عمي للقريات بعد أن انتقل من جدة لحقل. في نهاية التسعينات الهجرية عاد والدي رحمه الله للقريات ولكن عمي والذي وصل لرتبة “مقدم”، وهي رتبة كبيرة في ذلك الوقت، في سلاح الحدود نُقل إلى “قطاع سلوى” لاختلافه مع رئيسه. بعد أن مكث في سلوى أقل من سنتين طلب التقاعد، فخدمته العسكرية قد زادت عن الثلاثين عاماً ولم يكن يطيق صبراً عن أرضه أكثر من ذلك. حاول فيه رئيسه بأنه سوف تتم ترقيته إلى رتبة عقيد ولكنه رفض وهكذا كان!.

بعد أن عاد للقريات كان قريباً من والدي ومنا ودائماً ما يقضي الليل في مجلس الوالد العامر بأصدقاء الطفولة. كنت أجلس بقربهم وأنا صغير واستمع وأستمتع بـ” سوالفهم عن الرحيل والنزيل والربيع”. كان عمي كريماً مع الكل والكثير من البيوت كانت مستورة في حياتها بسبب لا حرمه الله الأجر والمثوبة.

مرت الدنيا بعجالة وأخذتني الدراسة الجامعية عن الكل فلم أعد أشاهده كثيراً، وعندما عدت أخذتني الوظيفة أيضاً!.

عندما توفي والدي رحمه الله مكث عمي زمناً طويلاً تخونه أقدامه وقلبه في أن يلج منزلنا كعادته. على ما يبدو فأنه كان لا يستطيع أن يجلس في المجلس ويرى مكان والدي رحمه الله خالياً منه!.

في سنواته الأخيرة كان لا يتمالك نفسه من البكاء عندما يزورنه أشقائي وأنا برفقتهم وخاصة في الأعياد. كنت أتأخر في السلام عليه وأحاول حتى تقديم أخي الأصغر، الذي يرفض، ليسلم عليه قبلي لكيلا أرى دموعه العزيزة على قلبي ولكني أفشل!. كان دائماً ما يوصينا بالتكاتف ويذكرنا بوالدي رحمه الله وكنت أصغي لكل كلمة يقولها بكل جوارحي. عندما انتقلنا، أشقائي وأنا، لمنازلنا الجديدة لم يزرنا إلا بعد إصرار منا ولكن مجموع زياراته لم تتجاوز الثلاث مرات. في زواج أحد أبناء أخي أقنعه ابنه لكي يحضر حفل الزواج، وعند بوابة القصر بكى بشدة ورفض الدخول وعاد من حيث أتى!.

 

هذا اليوم أتتني رسالة تخبرني بوفاته، كانت الرسالة باردة بل وجامدة وميتة أيضاً، بل وميتة أكثر من موته الذي أصبح يقيناً “رحمه الله”. أتتني الرسالة وأنا لوحدي فتجمدت أطرافي وخفق قلبي.

كنت أنوي الصلاة عليه في المسجد والذهاب للمقبرة ولكن قدمي وقلبي وعقلي لم يطاوعاني في ذلك وكأنه عز عليهم أن يرونه محمولاً على الأكتاف بعد أن كان يحمل هموم الناس ويواسيهم!.

قبل المغرب أجبرت نفسي على الذهاب للقيام بواجب العزاء. رحمني ربي فلم أنهار أمام الجميع, تماسكت في لحظتي الأخيرة وبقيت صامتاً وغادرت مكان العزاء مع الآذان.  في صلاة المغرب لم أكن بكامل وعيي فقد صليت مع الإمام ولم أدرِ ما قرأ الإمام، خرجت من المسجد وركبت سيارتي ومشيت وفي الطريق توقفت عند الإشارة لا أدري كم توقفت!. وفجأة توقف بجانبي شاب وفتح نافذة سيارته ليسألني:” ليش واقف عند التقاطع والتقاطع فاضي، سلامات عسى ما فيه؟”!. اكتشفت بسببه إنها ليست بإشارة تلك التي أطلت الوقوف عندها، إنه مجرد تقاطع عادي وما ساعد على طول وقوفي خلو الشوارع من السيارات!. لا أدري ما الذي جعلني أتوقف عند ذلك التقاطع!!.

قبل أن أتحرك ألتفت للخلف حيث تركت بيت عمي “رحمه الله” خلفي وسقطت من عيني اليسرى دمعة، ولكنها ليست بدمعة بقدر ما هي تلويحتي الأخيرة لآخر الفرسان!.

وداعاً أيها الفارس النبيل، وداعاً يا آخر الفرسان : (

 

جدتي الحجيّة

منذ أن وعيت نفسي وأنا لا أعرف أسماً لجدتي، وهي والدة والدتي رحمهما الله جميعاً، إلا “الحجيّة”، كان أسمها دائماً يتردد على مسامعي “جدتك الحجية، جدتي الحجيّة”. لم أعرف اسمها إلا في المرحلة المتوسطة، كان ذلك مفاجئاً على نحو مدهش، ففي ذلك اليوم كانت جدتي مريضة جداً فأتي أخي لها بالطبيب للمنزل. أعطاها الطبيب المحاليل الوريدية المغذية وكتب لها الأدوية في الوصفة وعندما وصل لأسم المريضة ألتفت لي وسألني عن الاسم فقلت له بدون أن انتبه:”جدتي الحجية”، انتبهت لنفسي بعد أن ضحك الدكتور ضحكة صغيرة نبهتني لغلطتي. حاولت أن أتذكر اسمها ففشلت. دخل أخي الأكبر مني فأخبرته بأنهم يريدون اسم جدتي فقال بتلقائية “شيحة حسن”!!.

هه؟، إذن هذا هو الاسم الذي اسمعه لأول مرة في حياتي!.

منذ أن خرجت للدنيا وجدتي تسكن معنا في بيت الشعَر مع والدي ووالدتي رحمهم الله مع أخوتي الأربعة. والدي رحمه الله كان يعاملها بأحترام كبير، ولذلك كانت الملجأ لنا عندما نقع في الأخطاء ونخاف من عقاب الوالد رحمه الله. كان يكفينا أن نهرب بأتجاهها ونختبي خلفها لتقول لوالدي:”هالمرة بوجهي يا بو مناحي”، لينتهي بعدها كل شيء. كانت هي جنتنا التي نأوي لها كل ليلة لتروي لنا “الحجاوي” الجميلة فتروي لنا حكايات “تريترة” و”مي وشقيقاتها”، و”نخاشة صدع مروان” و”سعد راع النعايم”، والكثير من القصص التي لازالت نائمة في عقلي الباطن!. كانت في كل مرة ترويها لنا، نسمعها وكأنها ترويها لأول مرة، تمتلك مهارة سردية ساحرة وعالية وممتعة. أيضاً كانت تروي لنا في وجود كل أفراد الأسرة كثير من الأحداث التي عاشتها وعانتها.

لازالت حكاياها نائمة في ذاكرتي، تستيقظ بين فترة وأخرى، أداعبها وابتسم، وأحياناً أضحك، وعندما تتداهمني دمعة خجلى “أهدهد” تلك الحكايا لتعود لنومها وأعود أنا لأغرق في انشغالات الحياة وتفاهاتها!.

منذ أكثر من شهر وتلك الحكايا تستيقظ في ذاكرتي وترفض أن تنام مرة أخرى. تجاهلت الأمر إلى أن أصبحت غير قادر على التحكم فيها بعد أن بدأت تلك الحكايا تتظاهر في ذاكرتي وتثير الضوضاء فيها.

لذلك رأيت أن أشارككم بها فلربما بلغت تلك الحكايا سن البلوغ وشبت عن الطوق ورأت أنها وصلت للحد الذي يسمح لها بالخروج وتكوين شخصيتها الاعتبارية للجميع!.

ولدت جدتي في عام ١٣٢٩هـ تقريباً، وهي السنة التي يسميها الرولة في تواريخهم “سنة مقيظ العراق”. وبعد ولادتها بسنة ذهب والدها إلى العراق ليمتار لأهله ولكنه لم يرجع من سفره أبداً. لم يبحث عنه أحد لأن البدوي في ذلك الوقت إذا لم يرجع لأهله فأنه يكون قد قُتل لا محالة في الطريق حيث تستيقظ الصحراء في كل صباح وهي تستسقي الدم من أجساد العابرين!.

بعدها بسنة أخرى توفت والدتها بمرض الجدري الذي يزور الأرض كل عدة سنوات فيُدخل من يختار إلى جوف الأرض بعد أن كانوا فوقها ويغادر بعد أن يملأ الفضاء بالخوف والبكاء!.

بقيت جدتي ذات الثلاثة أعوام مع شقيقتين أكبر منها بعدة سنوات وشقيق كان هو الحياة لها اسمه “عدهان” للتو قد شارف سن البلوغ وهو السن الذي يبلغ فيه الفتى في ذلك الوقت مبلغ الرجولة والفروسية!. تعلقت به بحيث كانت لا تفارقه إلا إذا كان مسافراً أو مرافقاً لإبل القبيلة لحمايتها من الأعداء.

عندما كانت في الخامسة من العمر وفي ليلة صيفية جميلة بقيت تفاصيلها الدقيقة في ذاكرة جدتي إلى أن انتقلت إلى رحمة الله. كان عدهان يشوي لها “جربوعاً” قد صاده قبل غياب الشمس. وبعد أن نضج الجربوع وأخذته بيدها لتأكله، قام أحد أصدقاء عدهان نكاية به بخطفه والهرب به فما كان من عدهان إلا أن قام بمطاردته وأخذ الجربوع المشوي وأعاده لشقيقته الصغيرة وهو يقول لها: “ما ياخذون جربوعتس وأنا حيٍ راسي يشم الهوا يا خيّة”. أكلت جربوعها في تلك الليلة ونامت وهي تحلم بغدٍ جميل كيومها الذي عاشته. بعد أن نامت أخذ عدهان بندقيته وذهب خلف الإبل التي كُلّف بحمايتها تلك الليلة.

في منتصف الليل الدامس، وعندما كان لوحده، هاجمه الغزاة الذين كانوا من شمر. قام عدهان بإرسال الراعي لأستدعاء فرسان القبيلة وأختفى بين الإبل. بدأ إطلاق النار وكان عدهان ينتخي بـ:” راعي الخطلا وأنا أخو عمهة” و”عمهة” شقيقته الكبرى. من المؤكد أن المعركة استطالت لتأخذ عمراً بأكمله في ذاكرة عدهان وهو يلقم بندقيته الرصاص في كل مرة.

كان الظلام حالكاً بحيث لا يرى عدهان أحداً ولذلك كان يطلق النار بعد أن يحدد جهة الصوت الذي بدأ يسقط في جوفه من أفواه الغزاة ممتلئاً بـ”النخاوي”. لم تطل المعركة لأكثر من ربع ساعة بعد مقتل ثلاثة من المهاجمين. ترك الغزاة الغنيمة بعد أن يأسوا منها ولم يعرفوا بأن من يقاتلهم كان شخص واحد بمفرده وأنهم قد أصابوه بجرح قاتل. أصيب عدهان برصاصة في بطنه في بداية المعركة وبدأ الجرح ينزف ولكنه لم يهتم به كثيراً، كانه همه الأكبر هو منع الغزاة من الأستيلاء على الإبل. بعد مدة قصيرة وصل فرسان العشيرة ووجدوا عدهان في النزع الأخير. أسلم عدهان الروح وهو يوصيهم خيراً بـ”راعية الجربوع”.

في الصباح استيقظت راعية الجربوع وسألت عن عدهان فأخبرتها أختها الأكبر منها سناً “عمهة” بأنه قد مات البارحة ودفنوه بعد طلوع الشمس. لم تفهم الصغيرة ماذا تعني كلمة الموت وكيف هي عملية الدفن. قامت عمهة بحفر حفرة صغيرة ووضعت فيها قطعة حجر صغيرة ودفنتها بالتراب وقالت لها بأن الموت يكون هكذا. أكثر من سبعين سنة مرت وهي ترويها لنا وفي كل مرة ترويها وكأنها قد عاشت جميع أحداثها البارحة!.

بعد أكثر من ثلاثين سنة من مقتل عدهان، وبعد توحيد الوطن الكبير في دولة واحدة، تقابل رجل شمري مع أحد أبناء عم عدهان في موسم الحج وبعد أن تعارفوا فيما بينهم سأل الشمري قائلاً:” يا بعد حيي ما عينتوا عدهان أخو عمهة؟”، رد الرجل:”أكلتوه يا شمر!”، أي أنكم قد قتلتوه. فرد الشمري برجولة قديمة متعارف عليها:”لا والله يا بعد حيي هو اللي أكلنا ماهو حنا اللي أكلناه، ذبح منا ثلاثة وهجينا وخلينا له البل بمراحها”!.

ذهب عدهان في نفس الطريق الذي ذهب فيه أكثرية أسلافه، وبقيت جدتي تردد عبارته لأكثر من سبعين سنة:”ما يا خذون جربوعتس وأنا حيٍ راسي يشم الهوا يا خيّة”.

نشأت يتيمة واليتم صعب دائماً ولكنه كان في ذلك الوقت شيء يشبه الموت أو أسوأ قليلاً!. بعد بلوغها أُجبرت على الزواج من ابن عمها، وذلك لأن الفتاة في ذلك الوقت ليس لها إلا ابن عمها كما تنص قوانين البادية غير المكتوبة. كان جزء كبير من أسباب هذا الزواج هو المحافظة على الإرث الذي نالته والذي لم يتجاوز عشر من الإبل ولكنه في تلك الفترة يعتبر ثروة لا ينبغي التفريط بها لكي لا تذهب خارج العائلة الكبيرة. تزوجها ابن عمها والذي لم تكن تنظر إليه إلا كشقيقٍ لها منذ أن خرجا للدنيا. شقيق ربما يعوضها ولو قليلاً عن عدهان!. فقدكانا في صغرهما يلعبان مع بعضهما البعض ولا يفترقا إلا للنوم. بكت كثيراً وهي ترفض ذلك الزواج الأخوي ولكن لم يُستجب لتلك الدموع الطاهرة فتم الزواج بصورة مبسطة، كان زواجاً أخوياً حقيقياً بحيث لم تسمح له بالاقتراب منها وعاشا كأخوين حقيقين لمدة سنتين تقريباً!.

بعد مرور سنتين قالت له:”أطلبك رقبتي يا خيي”، وتعني بذلك رغبتها في الطلاق منه. طلقها وبعد مدة تزوجت بجدي وأنجبت منه “سعود” الذي تمت تسميته تيمناً بـ”ابن سعود” الذي بدأ في مشواره الطويل لتأسيس دولته الحديثة وثلاث بنات أوسطهن والدتي.

توفي زوجها وهي حامل فأضطرت لتحمل المسؤولية كاملة، فكانت ترعى الإبل في النهار وتهتم في بيتها الصغير في الليل. فاجأها المخاض ذات صباح وهي مع إبلها في شعيب ممتلئ بشجر الأرطى في النفود. حدثتني رحمها الله بأنه عندما اشتد بها الطلق كانت تصعد رأس “الطعس” و”تتهدي” نفسها من رأس الطعس إلى أسفله. فعلت ذلك عدة مرات إلى أن سهّل الله ولادتها وأنجبت طفلة صغيرة. “سررت” الطفلة وأخذت “ملفعها” ووضعتها فيه وعادت إلى بيتها في المساء. قامت بتسميّة البنت بـ”رطيّة” نسبة لشعيب الأرطى الذي ولدت فيه. مرت عدة أعوام زارتهم خلالها الأمراض التي تتناوب على زيارتهم كل سنة كالطاعون والجدري والحصبة فأخذت معها سعود ورطيّة والفتاة الأخرى وتركت لها والدتي لتؤنس وحدتها الطويلة!.

وفي وقت كان الجهل الديني كبيراً تعلق قلبها بالصلاة والحج، وما أدراكم كيف كان الحج في ذلك الزمن؟!.

حدثتني رحمها الله بأنها قد ذهبت للحج أربع مرات على ظهور الإبل. كانت تقول لي بأنهم ينطلقون في رحلة الحج في اليوم الرابع لعيد رمضان ويصلون لمكة المكرمة في نهاية شهر ذي القعدة. يسيرون فيها لأكثر من خمسين يوماًالصباح حتى المساء ويرتحون في الليل. وبعد أن ينتهوا من الحج يغادرون للقدس ولزيارة المسجد الأقصى، ويطلقون على رحلتهم تلك “يقدّسون”، وبعد أن ينتهوا من زيارة المسجد الأقصى يبدأون في البحث عن أهاليهم وتسقّط أخبارهم وأين هي منازلهم في تلك الصحاري المترامية الأطراف.

رحلة حج تمتد لسبعة أشهر وأكثر مع ما يرافقها من أهوال وتعب. عندما استرجع تلك القصص أهمس فيما بيني وبين نفسي:”أي إيمان حقيقي يسكن بين جوانحهم”؟!.

بعد أن أفل عصر الإبل حجت جدتي ثلاث مرات في سيارات الشحن الألمانية الكبيرة والتي يُطلق على أهل البادية “ست روس”. كان صندوق السيارة يتكون من طابقين، طابق للرجال وآخر للنساء.

الغريبة أن رحلات الحج تلك المملوءة بالتعب كانت بالنيابة عن أهلها وليست لها بعد أن أدّت فرضها لأول مرة، فقد حجت عن والدها ووالدتها وشقيقاتها وأعمامها وبنات عمها، ومن لم تحج عنه شخصياً، أرسلت له فيما بعد من يحج عنه ودفعت كامل تكاليف تلك الحجة بطيبة نفس. سألتها غفر الله لها ذات يوم:”يا جديدتي ما خليتي أحد ما حججتي له؟”، ردت علي بهدوء وصوت خافت:”يا وليدي هضولا ما لهم أحد يحج عنهم”!. كان يتراءى لي النور وهو يخرج من بين شفتيها وهي تتكلم.

كانت كثيرة الصمت، لا تقول إلا خيراً ولا تأمر إلا بخير. أما إذا تحدثت فحديثها آسر جداً.

في سنيها الأخيرة بدأت نفسها تعاف الأكل فلا تأكل إلا الذي بالكاد يقوم بأودها، وكم مرة عاتبتها في قلة الأكل فلا ترد علي إلا بعبارة واحدة:”يا وليدي تسبدي ما تكهمه”، أي أن نفسي لا تشتهي الأكل. في عامها الأخير وفي ليلة سفري إلى الرياض مع بداية السنة الدراسية كنت جالساً معها ممسكاً بقدميها، فقلت لها مداعباً:”ماش يا جديدتي ما باقي إلا عظيمات، لازم تاكلين يا جديدة”. نظرت لي وتنهدت، ثم ابتسمت ابتسامة الرضا وتمثلت بهجينية مشهورة:

جهدنا نمشي على الرجلين

والهرج نعرف ملاحيظه

وأكملت:”والله يا وليدي ياما مشن من ديار لديار وهالحين يالله حسن الخاتمة”، أي أن هذه الأقدام قد قطعت مسافات هائلة جداً. أوجعني ردها وتمنيت بأنني لم أتكلم بما تكلمت به.

في ظهر يوم خريفي من عام ١٤١٣هـ توضأت الحجيّة لصلاة الظهر وكانت قد بلغت من الهزال مبلغه. جلست في فراشها واستقبلت القبلة ورفعت يدها مكبّرة لصلاة الظهر وبعد أن أنزلت يديها مال رأسها لليمين وانتهى كل شيء. رحلت بهدوء لا يشابهه إلا هدوء حضورها. ما يوجعني هذه اللحظة أنني لم أكن موجوداً عندما لوحت للكل بروحها قبل أن تلحق بعدهان لعله يأتيها بجربوع آخر يشبع بعض نهمها له!.

نسيت أن أقول، لقد حجت ولآخر مرة مع أهلي في عام ١٤١٢هـ، وكأنها تودع الأرض التي عبرتها مراراً وتكراراً في مختلف وسائل النقل المتاحة.

ورغم كل ما سبق أعلاه فإلى الآن لم أكتب “الحجيّة” كما أردت!.

تنويه:

أشعر بأنني في ورطة كبيرة فأنا أكتب لقراء غالبية قيمهم ومعارفهم ومفاهيمهم مختلفة جداً عن هؤلاء الذين أكتب عنهم ولذلك لا يستطيع البعض فهم أو تصديق ما أتحدث عنه!. مشكلة كبيرة جداً ولكنني مجبر على الكتابة، إن الكتابة عنهم بالنسبة لي هي كالدين الذي يجب علي سداده لكثير من الرواة الذين قذفوا حكايتهم في جب ذاكرتي ومضوا في دروب الزمان!.

أول يوم دراسي… ووحدي أعود!.

أول يوم دراسي… ووحدي أعود!.

كان ذلك من زمن لا أتذكره وإن كنت لا زلت أعيشه!. كنا نسكن في مدينة طريف، طريف التي كانت أحد مدن الحداثة في الوطن ذلك الوقت قبل أن تدخل غيبوبتها الطويلة. حارتنا التي كنا نعيش بها كانت تحمل اسم “حارة الرولة”، وهذا يعني أن غالبية أهلها من نفس القبيلة. ولكن كان هناك ما يميزنا عن بقية أهل الحارة فقد كنا نعيش في بيت من الشعَر، نعم بيت من الشعَر ولكنه كان كأنه من الشِعر لرقته وحنوّه، يطلق عليه مسمى “مثولث”، بينما بقية بيوت الحارة مبنية من الطين والبلك.

كان أبي رحمه الله يعمل جندياً في حرس الحدود ومقر عمله في المراكز الحدودية في صحراء الشمال المترامية ولذلك كان دائم الغياب وكنت في صغري لا أراه إلا لماماً. أتت المدرسة ولا أدري كيف أتت، فقد كنت مشغولاً عنها بملذات حياتي البسيطة، ولكنها أتت!.

قيل لي بأن أتجهز للذهاب مع شقيقّي الأكبر مني سناً للمدرسة. في الصباح استيقظنا كعادتنا، فنحن في ذلك الزمن الآفل نستيقظ عندما تبادر الشمس بإلقاء تحيتها الصباحية المعتادة، ولكن الوضع بالنسبة لي أختلف، فقد كنت في السنوات السابقة أودع أخواني وأتابعهم ببصري إلى أن تسرقهم مني “تعاريج” الطريق!. أختلف الأمر اليوم فقد كان لابد لي أن أشاركهم تلك “التعاريج” التي لا أعرفها وأكتشف بنفسي أين ستؤدي بي في النهاية.

في الصباح جهزتني والدتي رحمها الله بأفطار مكوّن من كوب حليب بالزنجبيل الحارق لـ اللسان وبعض الكعك، ولأن الجو كان بارداً، وطريف مدينة البرد والنسيان، فقد قامت والدتي بألباسي شماغ وربطه من تحت الذقن لكي لا أتخلص منه فهي تظن، وكل ظنها رحمة، أن ذلك الشماغ سيقيني لسعات البرد التي يغريها سبتمبر بالحضور. أمسكتني بقوة وهي توصيني:

“يا وليدي خلّك رجل، ترى الرجل ما يشكي ولا يبكي”. كانت تعيد وصاياها على مسامعي وأنا أغادرها بأن أكون “رجلاً، عاقلاً، مؤدباً، مطيعاً”، أي والله كانت هذه وصاياها الحزينة وليتها لم تفعل!!.

لم يكن معي سوى حقيبة بلاستيكية بداخلها مسّاحة وبراية وقلم ومسطرة لا غير. ذهبت مع أخوتي وكأن الطير قد سقط على رأسي وأنشغل بألتقاط بذور الطمأنينة التي نثرتها أمي فيه حبة، حبة ليجعله فارغاً كفؤاد أم موسى!.

خرجنا للطريق وأنا ألتفت لأمي، كنت أمشى عشر خطوات ومن ثم ألتفت لأمي حيث كانت تقف بجانب البيت وهي تُمسك بالـ”طنب” لـ”مِقْدم” بيت الشعر. عندما دلفت إلى “تعاريج” الطريق فقدت عيون أمي التي تمنحني الأمان وبدا لي كل شيء غريباً، غريباً إلى درجة أن خطواتي بدأت تتقارب بالرغم مني إلى أصبحت المسافة بين وبين أشقائي هائلة جداً كما كان يُخيّل إلي وقتها بينما لا تصل في الحقيقة إلى أكثر من عشرين متراً.

دخلنا ساحة المدرسة، وهي مدرسة ابن سينا الإبتدائية، وذُهلت لمساحتها الكبيرة، سرنا قليلاً وعلى ما يبدو فأننا كنا متأخرين بحيث لم نصادف الطابور الصباحي ولذلك قادني شقيقي الأكبر مباشرة للفصل وأدخلني فيه وغادر بدون أن ينبس بكلمة واحدة!.

أجلت بصري بالمكان، كانت الوجوه غريبة وجديدة وصادمة، وقفت عند باب الفصل وأمامي مباشرة كان هناك رجل ضخم الجثة عرفت فيما بعد أنه مربي الفصل وهو مدرس فلسطيني يجلس على طاولة كبيرة وخلفه شيء أخضر كبير ملتصق بالجدار وبداخله بعض الأشياء البيضاء التي لا أعرف اسمها ولا ماذا تعني!. لاحقاً عرفت بأن ذلك الشيء الأخضر هو “صبّورة” كما كنا ننطقها وأن تلك الأشياء البيضاء هي “طباشير”.

كان الفصل ممتلئاً بالطلاب باستثناء مقعد واحد فارغ ولعله كان مخصصاً لي أنا الذي لم يكن يعرف شيئاً. أشار لي المدرس أن أذهب إليه فذهبت وجلست كما أمرني.

عندما دخلت من باب الفصل كانت “الصبورة” على يميني والمدرس أمامي في الجهة الأخرى والطلاب على يساري. كان مقعدي بجانب الجدار الذي بداخله الباب. دلفت من الباب واتجهت يساراً وتجاوزت الطالب الأول فالثاني والثالث وجلست في المقعد الرابع وأعطيت ظهري للطالب الذي يقبع في المقعد الخامس والأخير.

حسناً هذا هو الكرسي الصغير وهذه هي “الماصّة” التي كانوا يحدثوني عنها. تفحصتهن جيداً ووضعت حقيبتي حيث وجهني شقيقي.

كان الهرج والمرج سائداً في الفصل والطلاب يتحدثون ويضحكون مع بعضهم وأنا أتفحص وجوههم والخوف يسكنني والوصايا تتكرر في رأسي كأسطوانة مشروخة!. لم أشارك الطلبة فوضاهم اللذيذة بل فتحت حقيبتي وأخرجت منها البراية والمساحة والقلم والمسطرة وبدأت ألعب بهما لوحدي على الطاولة. كنت الطالب الوحيد الذي يلاعب “نفسه”. مر وقت لا أعلمه وأنفصلت عن الجميع ودخلت في عالمي الخاص ولم يخرجني من عالمي الجميل إلا صوت المدرس صارخاً:

“أنت يا ولد، تعااااال”

ألتفت إلى المدرس فإذا به يشير إلى فوقفت وأنا أرتجف وقلت له:”أأأن ن ن نااااا”، فهز رأسه بالإيجاب، عندها لم يكن هناك بُد أن أذهب إليه. وقفت عنده وأنا أرتجف، فقال لي بغضب: “وليه تشاغب يا ولددددد”؟

وجمت في البدء، وبعدها ألتفت إلى بقية الطلاب الذين توقفوا عن اللعب وعاد كل منهم إلى مقعده، وران الصمت على الجميع وتعلقت عيونهم بي وبالمدرس وبماذا سيحدث. استجمعت قواي وأجبته: “ما شاغبت يا أستاذ”، لم أكد أنتهي من جملتي إلا ويده اليمنى تضع بصمتها العنيفة على خدي الأيسر الصغير!. كانت ضربة صاعقة وقوية جداً جعلتني أتراجع للخلف لأكثر من مترين قبل أن أسقط على ظهري وأنا أبكي!. بعد زمن لا أعلمه وقفت وأنا أبكي، نعم لقد بكيت وخنت خاتمة الوصايا، اتجهت لمقعدي وعيوني تسح دمعها مدراراً وأنا أحاول كفكفتها بكم ثوبي وأحاول كتم نشيجي بينما بقي الصمت هو سيد المكان لبقية اليوم أو هكذا كنت أتخيل!. كنت أبكي بسبب الظلم أكثر مما كنت أبكي من ألم الصفعة على شدة ألمها.

كان ذلك الدرس الأول الذي تعلمته في المدرسة الدرس الذي شرحه لي المدرس بأبسط طريقة ممكنة، ربما بدون أن يقصد، درساً لم أنسه أبداً، علمني بأن الظلم مرتعه وخيم، وأن كأس الظلم التي تشربها لن تنسَ طعمها أبداً حتى لو عشت بقية أيامك تشرب كؤوس العسل المصفّى، علمني أن لا أظلم أحد أبداً متى ما قدرت على ظلمه حتى وإن كان قد قام بظلمي سابقاً!.

في نهاية اليوم الدراسي، ولأنني “كنت رجلاً” كما كانت تطالبني والدتي دائماً أن أكون فقد عدت إلى البيت وحدي، نعم وحدي، فوحدي ذهبت ووحدي عدت.

وهكذا كنت دائماً، لا أحد معي أو بجانبي فوحدي أذهب، ووحدي أعود!.

وحدي أذهب ووحدي أعود!.

عبور أولي نحو الجزء الثاني من الحياة “نص/قص”….لم يكتمل..!

عبور أولي نحو الجزء الثاني من الحياة

“نص/قص”….لم يكتمل..!

قراءة أولى لتلك الحياة…!

ترنيمة أولى:

يالمستريح

اللي تركت الدنيا ورى بابك تصيح

يالمستريح

ياللي قفلت بابك

وأنت تستغيثك ألف ريحٍ وريح

يالمستريح

فاقدك صح…؟

أو ما تعرف دربك صحيح

خايفٍ..؟، رِحّ…!

ما فيه وجهٍ لك يريح..!

يالمستريح

مرت فيك دنيا

ودنيا من دنياك عيّت تستبيح

مريت في دنيا

وشقاك معلّق على المذبح ذبيح..!

ترنيمة ثانية

يالمستريح

في فضاءاتك وضوح

وفي وضوحك فاض فاء

من متاهاتك نزوح

من فيها مات ماء..؟

فيه بعيونك جروح

تصيح وينك يـ أنت: ماء..؟

وأنا…

ضعت بمتاهات الإنتماء

لاني “أنت”، ولاني “ماء”..!

بس أذكر أني:

كنت في لحظة من عمري

كنت شهوة أرتماء

كنت صرخة كبرياء

وكنت من عمري أطيح…!

وكنت…

من عمري….

أطيـ…

…ـيـ….

…ـيـ….

…ـيـييييح

ترنيمة ثالثة:

يالمستريح

كان ميمك يصيح

بوجيه ماتت كبرياء

ودالك عيّا يستريح

يركض بوجه الشقاء

وميمك الثاني جريح

توجعه طعون حاء..!

والسماح…

اللي يغني لجنون الرياح:

راح…..راح

كل زهرٍ غنى لأرواح الصباح..

طاح……طاح

الضياع اللي ذبح بسمة وراح..

فاح…….فاح

صوت صمتك من على شفاه الملاح..!

وأنت يالذنب الذبيح

يطيح بك قلب وقلب

وقلب ثالث يستبيح

يستبيح الـ ما يُقال

وكل صمتٍ فيك سال

كل صمتٍ سال ريح..!

عبور ثاني:

يالمستريح

ينبت فـ عيونك ظمأ

وياخذك دمعٍ هما

ياخذك لدربٍ بعيد

أبعد من حدود السما

ياخذك لدربٍ جديدٍ

دربٍ وحيد وعنيد

درب محتاجٍ لـ عيد

درب مشتاقٍ لـ إيِد

درب لعيونه يصيح

كنت أجمل من طفل

يضحك ودمعه يطيح..!

..

..

..

يالمستريح..

..

..

……..!

عائداً إلى أرضي “في أثر الغابرين أهذي”!

عائداً إلى أرضي “في أثر الغابرين أهذي”!

لم يكن ذلك الطفل الذي وجد كتاب “طارق بن زياد” في الكافيتيريا الموجودة بجانب المدرسة ليتردد لحظة واحدة في دفع خمسة ريالات هي مصروفه الأسبوعي الكامل مقابل هذا الكتاب وترك ساندوتش الفلافل خلفه محاولاً التسامي على ألم بطنه الذي يتضور جوعاً!.

شدّه غلاف الكتاب والرسمة المُتخيلة التي زينت الغلاف لطارق بن زياد ببشرةٍ سمراء وخوذة خضراء وترس أسود ولباسٍ قان!. كان ذلك الكتاب ضمن إصدار “سلسلة الناجحون” لأحدى دور النشر اللبنانية والموجهة للأطفال. قام بشراء كُتب أُخرى من ضمن السلسلة مثل خالد بن الوليد والأسكندر المقدوني والمهاتما غاندي ونابليون بونابرت وشجرة الدر والملكة زنوبيا وغيرهم بمصروفه الشخصي على مدار بقية الفصل الدراسي، ولكن لم تفعل كل تلك الكتب الجمية واللذيذة فعل كتاب طارق بن زياد في قلبه!. سيطر عليه ذلك الكتاب بطريقة عجيبة إلى درجة أنه أصبح همه الوحيد عندما يعود من المدرسة وفي ظهيرة أيام الشتاء أن يُعيد قراءة طارق بن زياد مراتٍ ومرات في ركن فناء المنزل والخاص بمجلس الرجال المكشوف حيث يوجد “وجار” القهوة الذي يتم فيه صنع القهوة على نار الخطب بتلك الطريقة اللذيذة!.

يكوّر جسده ويتكئ على جانبه الأيسر ويمسك الكتاب بيده اليمنى بينما يعبث بأصابعه اليسرى بشعره فيشده حيناً برفق ويلف خصلاته الطويلة على أصابعه حيناً آخر!. يغرق مع طارق مرة ومرة ومرة، يشاركه عبور المضيق الذي تشرّف بحمل اسمه، يضع يده على قلبه وطارق يأمر جنده بحرق السفن قائلا:” العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”!. يتعجب من هذه الروح الخلّاقة المجاهدة حينما قررت المجازفة بكل شيء مقابل نصرة ما تؤمن به، يا تُرى كم نحتاج مثلها؟!.

“العدو من أمامكم والبحر من خلفكم”، فلسفة جميلة، إذن هما طريقان لا ثالث لهما والاختيار حتمي ففي أحداهما موتٍ حتمي وفي الآخر موتٍ منتظر!.

سار طارق بالجيش وفي كل مرة أقرأه كنتُ أسير معه ويدي اليسرى تمارس عبثها في شعَري. كنت أسترجع وصف والدي للمعارك التي خاضتها القبيلة قديماً ووصفه “السينمائي” لأحداثها وماذا يفعل فرسانها أثناء المعركة فتتلبسني أرواحهم وأشعر بأنني قد أصبحت من ضمن السبعة ألاف مقاتل في جيش طارق وأنا على فرسي “أحدو” معه بـ:

“يا طارق تكفى يالعقيد

حنا جلبنا أعمارنا

“لوذريق” لا بدّه يهيد

ذاق الطنا من كبارنا

قلّ له جينا من بعيد

و”مجريط” صارت دارنا”

يلتقي طارق في معركة “وادي لكة” بمقاتليه قليلي العدد، كبار الهمة مع “لوذريق” ومعه ما لا يُحصى من جُند “القوط”، تنتهي المعركة بانتصار مشرّف لطارق ومن معه. ينتهي القتال وينتصر الحق والمبدأ على الهُلام وما يّمثلّه!.

وتأخذني نشوة النصر وانا أشاهد هذا الفتح العظيم فـ”أحدو” مرة أخرى وأنا أنظر لمصارع الهُلام:

“يا طارق سيفك من سما

وسيف العدو حفنة تراب

حنا كما حرٍ هما

في مخلبه صاد الخرِاب”

ينتصر طارق في كل معاركه التي خاضها وأنا برفقته وتصبح الأندلس أرضاً عربية إسلامية. يذهب طارق إلى الـ لامكان وأبقى متكئاً على جانبي الأيسر في الفناء الخارجي للمنزل وسبابتي اليسرى لا تزال تعبث بخصلات شعري وهي تتسائل:”أين طارق؟!”.

ويسقط بي الكثير والمثير والغزير والهدير من الكلام ما بين بين!. أسكت وقد مررت بحياة ومرّت بي حيوات، أسكت لبرهة وما أطولها من زمن ومن ثم أعاود البوح!.

مرت بي حياة ومرت بي الأندلس أيضاً!. كنت أقرأ كل ما يمر بي عنها، وفي سنواتي الجامعية قمت بتسجيل مادة “تاريخ الأندلس” كمادة من المواد الحرة والمعمول بها في نظام جامعة الملك سعود في ذلك الوقت. كنتُ مثار أستغراب الكثير وسخرية البعض الآخر، الكل كان مستغرباً لتسجيلي هذه المادة لأنها مادة تخصص وصعبة جداً من جهة ولأن المتعارف عليه هو أن الطالب يختار المواد الحرة السهلة لكي يرفع معدله من جهة أخرى!.

في أول محاضرة مع دكتور المادة الجميل ابن الطائف د/ عبدالغفور الروزي كنتُ مثار الاستغراب من الكل وأولهم أستاذ المادة، فأنا وبمجرد دخولي وأنا أحمل “البالطو” الأبيض الذي لفت نظر الجميع مما دعا الدكتور الروزي لسؤالي عن سبب حضوري معتقدا بأنني ربما أخطأت في عنوان قاعة المحاضرة، فأخبرته بالحقيقة. تبسّم وهو يهز رأسه قائلاً:

“ترى المادة صعبة”!. أومأت برأسي وأنا ابتسم له ابتسامة كانت تعنيني أكثر من غيري!.

عاد بي ذلك “الطفل” الحالم المشاغب مرة أخرى مع الدكتور الروزي ولكن بهيئة جديدة، أصبح يتكئ على يده اليمنى وأصابعها تلعب في عارضه القصير وهو يغرق في صوت الدكتور ويُبحر في كلامه ويذهب ليرى عبدالرحمن الداخل والأوسط والناصر والربض وقرطبة وطليطلة وأشبيلية وغرناطة والزلاقة والعقاب وبلاط الشهداء والمعتمد بن عباد والمنصور بن أبي عامر ويوسف بن تاشفين والموحدين طوال فصلٍ كامل من المتعة الجميلة مقسمة على ثلاث جرعات أسبوعية، لكنها انتهت وكأنها لم تبدأ!.

ومرت بي حياة ومررت بحيوات والأندلس لازالت تستوطنني أنا البدوي الشمالي الغائب عن كل شيء إلا عن ذكرياتي وأحلامي!.

لا أتذكر بأنني قد تحدثت كثيراً مع أحدهم، أي أحدهم، عن الأندلس بحديثٍ طويلٍ أو حتى مقتضب ولا أدري لماذا وإن كنتُ أخمّن بأن خوفي من خروج الطفل من مخبئه هو ما يجعلني أفعل هذا!. خلال سني عمري اللاحقة سيطرت على مشاعري غرناطة وقصرها الأحمر فكنت أمشي في شوارعها في آخر الليل على غير هدى، أعبر حي البيازين، تختلط أصوات الحرفيين وأهل السوق فأشم روائح التراث العظيم وما ألبث إلا قليلاً فأعبر النهر الصغير إلى جنة العريف فأُريح نفسي من عناء رحلتي وتغمرني روائح الزهور الجميلة وبعدها أنطلق فأدخل قصر الحمراء قبلة الدنيا وما فيها!.

قبل فترة قررت السفر للأندلس والمغرب، أوووه، أقصد أسبانيا كأول دولة غير عربية أقوم بزيارتها. كنت انتظر الوقت المناسب الذي أتى على ما يريد وعلى ما أُريد أنا أيضاً!. أقلعت الطائرة وعبرت فوق جبل طارق، ندت من شفتي تنهيدة حرّى ولا أدري لمه!.

كان الوقت صباح جمعة حيث الهدوء والسكينة، عبرت بي الطائرة تلك المسافة الطويلة وأنا عيني تدلى للأسفل حيث الأرض تحتي تتشكل فقط من مشهدين، مساحات خضراء وأنهار لا متناهية العدد!.

عندها عذرتُ أجدادي عندما أسموها “الفردوس المفقود”!.

……………..