مقاطع عادية بين يوم السبت 30 سبتمبر2000م إلى يوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026     

         لا أسوأ من القيام من النوم لدوام أول يوم بعد الإجازة. قمت بعد عدة محاولات لإيقاظي من زوجتي العزيزة. وصلت لمقر العمل الساعة7:57، وقبل أن يتم إقفال ورقة التوقيع من قِبل المدير. دخلت دوامة العمل، وكلما أنجزت مهمة وظننت بأنني قد أنهيتها بالكامل، ظهر لي بأنها بحاجة لوجود موظف قد تغيّب أو تأخر لسببٍ أو لآخر. هذا الأمر يزعجني كثيرًا، برغم من “تعوّدي” عليه، لأني أكره الأعمال غير المكتملة! أضطر للقيام بعمل زميلي المتغيّب لأكمل عملي، ولأبدأ في عملٍ آخر. يمر اليوم بروتينه المعتاد، وأنا أمارس عملي، وأتسلى بقراءة وجوه الزملاء والتأمل في حيواتهم الآنية والمستقبلية! ما لاحظته على هؤلاء الزملاء وبقية أفراد المجتمع الذين تتقاطع حياتي اليومية معهم بطريقة أو بأخرى هو “يقينتهم” المطلقة بآرائهم التي يطرحونها، وأفكارهم التي يعبرون عنها بالقول أو الفعل! تجد من تجاوز وزنه الـ 120 كيلو جرام وهو يتحدث عن حبه للرياضة وتنظيمه لأكله، ويتحدث آخر لا تسقط السيجارة من بين شفتيه إلا إذا أراد إشعال أخرى عن الجسم الصحي والنوم والمشي بثقة عجيبة! يأخذ طرف الحديث زميل يتحدث عن مشاريعه التجارية المتعددة، والزملاء يتهربون منه عندما يأتي المحاسب نهاية كل شهر لصرف الرواتب كي لا يحرجهم بطلب السُلفة منهم. أحب هذه التسلية عندما لا يكون مزاجي جيدًا، ربما لأني استعجل مرور ساعات العمل بأسرع طريقة ممكنة. جربت أحضار بعض الكتب لأقرأها في أوقات الفراغ القليلة، حيث جلبت معي كتابيّ “هكذا علمني ووردزروث” لأبي عبد الرحمن الظاهري، و”فقط” لعبد الله الجفري رحمه الله، ولكني لم استمتع بالقراءة للإزعاج الذي يغمر المكان. لم تزعجني تعليقات الزملاء على عناوين الكتب، بل اعتراضهم على مبدأ القراءة نفسه وهم يسحبون أنفاسًا متتابعة من الدخان الذي يرتفع في الأعلى مشكّلًا غيمة ضبابية تعزلنا عن رؤية سقف الغرفة! بعد صلاة الظهر، وفي أحد المكاتب بدأ الحديث المعتاد عن “الجوال” والذي بدأت شبكته في العمل في القريات منذ سنة تقريبًا، والحديث يدور بين مؤيد له ومعدد لفوائده، وآخر رافض له، ذاكرًا أضراره المفترضة. من ناحيتي كنت منفصل عن الموجودين وأفكر بضرورة شراء جهاز جوال، وأنه لا مناص عن هذا الجهاز الذي سيغير حياتنا المستقبلية، ولكنني ما زلت أغالب نفسي في الرضا بواقع الأمر الجديد! لا أتذكر بأنني قد أُجبرت على أمر معين منذ أن وعيت نفسي، لكن على ما يبدو سأقوم بشراء جهاز جوال، ومع ذلك أُساءل نفسي:”ماذا سأفعل به؟” أعود للمنزل بعد نهاية يوم العمل في الساعة الثالثة والنصف عصرًا وأمر في طريقي على البقالة الوحيدة التي تفتح أبوابها في فترة ما قبل العصر، وهي فترة ميتة بالنسبة للبيع في البقالات. أشتري جريدة الحياة يوميًا، وهي عادة لم تنقطع منذ دراستي في المرحلة الثانوية واستمرت أثناء الجامعة. فرحت بوجود العدد الأول من جريدة الوطن التي كنت انتظرها لكثرة الإعلانات عن قرب صدورها في جريدة الحياة وغيرها من الجرائد السعودية لأسباب كثيرة، لعل من أهمها هو صدورها بعيدًا عن المركز! وصلت للمنزل وتناولت قهوتي المزعفرة مع زوجتي، وبعد الغداء بدأت بتصفح جريدة الحياة وأنا أُغالب نفسي لاكتشاف جريدة الوطن، والتي تتشابه “ترويستها” مع جريدة الـ”واشنطن بوست”! تركت قراءة الجريدة إلى الليل، وأخذت غفوة صغيرة. بعد صلاة المغرب ذهبت لزيارتي اليومية لمنزل العائلة. “تقهويت” مع أمي وأخوتي، جلست في مجلس والدي الذي يغص بالرجال، وفي المجلس أُثير الحديث مرة أخرى عن “الجوال” على خلفية إهداء أحد الأبناء جهازًا لوالده والذي كان موجودًا في المجلس ويُظهر تبرمه من هذا الجهاز. ما زلت أذكر عبارته التي تفوّه بها: ” يبون يربطونا ويقيدونا وين مارحنا وجينا”!!! عبارته تلك لفتت انتباهي بأن الثيمة الحقيقية لحياة البدوي تكمن في الحرية، وإن كل ما قد يقيّد الحرية سيقلل من إنسانيته وبالتالي معنى وجوده في هذه الحياة! عبارة الرجل الأمّي البدوي في مجلس والدي أعادتني لجملة بدويٍ آخر سمعتها في مجلس والدي في مراهقتي تعليقًا على البدء في إصدار “بطاقة الأحوال المدنية” لتكون بديلًا عن “دفترالتابعية”. أتذكر بأنه قد دار نقاش كبير في المجلس بين الموجودين وهم خليط من مختلف الأعمار، وبين الأمّي وحامل الشهادة الثانوية. قال أحد الشباب المتعلمين بأن هذه البطاقة تحتوي على شريط ممغنط يحتوي على جميع معلومات الإنسان، وليست كدفتر التابعية والذي لا يحتوي إلا على الاسم والصورة والعمر ونوع الوظيفة التي يشغلها صاحب التابعية. عندما أنهى الشاب عبارته لاحظت تغير وجه أحد كبار السن، وهو أُمّي، وتنهد وقال: “لا والله إلا ربطونا”! لم أتنبه لمعناها العميق في ذلك الوقت، بعد أن بدأت الدراسة الجامعية عادت بي الذاكرة لأحداث ذلك اليوم وتذكرت عبارة الرجل فذُهلت لشدة الوعي الفطري الذي يمتلكه. من المؤكد بأن الرجل ليس عنده ما يخاف منه، ولكنها الحرية التي ولد بها ويحاول أن يتمسك بها بعيدًا عن أي إكراهات تجبره أو تمنعه مما يُريد! أستعيد هذه اللحظة عبارة ذلك الرجل وأتخيله فيما لو كان موجودًا بيننا هذه اللحظة كيف ستكون ردة فعله على القيود التي قيدنا أنفسنا بها طواعية، بل وبإصرارٍ شديد! لا نستطيع الحركة قيد شبر بدون جهاز الجوال اللعين، فنقودنا محشورة فيه وهويتنا متشبثة به، وكل أوراقنا الرسمية لا نستطيع الوصول لها إلا عن طريقه! أما المجالس القديمة، في غالبيتها، أٌغلقت، حتى أنك لا تستطيع زيارة أقرب الناس لك إلا بعد موعد. هذا الجهاز بات يحمل أفكارنا وينقل أسرارنا، وكلما مرت سنة جديدة تغلغل في حياتنا حتى أنني أخاف أنه مع التقدم الهائل في الذكاء الاصطناعي، أن يعيش الحياة بدلًا منا! هذه اللحظة يخرج أحدهم صارخًا: “ونحن، أين سنذهب”؟ يرد عليه آخر وهو يبتسم هازئًا: “بقريح وأبا زنّة”! 

بعد صلاة العشاء عدت لمنزلي وبدأت في قراءة العدد الأول من جريدة الوطن، وكعادتي في قراءة الجريدة من الخلف، فذُهلت لعدد الكتاب الجُدد وطبيعة المقالات التي قرأتها. استمريت بالقراءة حتى أنهيتها في ساعتين. كنت أقرأها وأنا أفكر في هذه الجريدة وهي في يومها الأول وإلى ماذا ستنتهي؟ وهذا قادني لنقل السؤال إلى بدايتي الوظيفية التي بدأت قبل ثلاث سنوات، وإلى ماذا ستنتهي؟ 

اليوم مر سبع وعشرين عام منذ أن قرأت العدد الأول من جريدة الوطن، إلى أن انتهت كجريدة ورقية، وبقيت على شبكة الإنترنت. أنا، أيضًا، توقفت هذا اليوم عن العمل الحكومي! سبعة وعشرون عامًا مضت، بلمح البصر، ولكني حصلت على حريتي، حريتي التي تمنيتها مًذ اليوم الأول الذي صدر فيه قرار تعييني! اليوم أمتلك بالكامل حرية الخيارات في إدارة يومي بالكامل. اليوم ابتسم وأنا أنظر للقادم بأمل ورجاء في الله الرحيم الكريم.

أفاتار غير معروف

الكاتب: عبدالعزيز الرويلي

عابرًا في مفازة الكلام، أحدو خلف نياق المعنى في التيه! للتواصل aazizrowiliy@gmail.com

أضف تعليق