حبة زبيب…!

حبة زبيب…!

اليوم وعلى الغداء وعندما بدأت بالأكل، قال لي من يشاركني الغداء بأنه لا يحب الزبيب الموجود فوق الرز!

كففت يدي عن الصحن لا شعوريًا، فقد سرقتني الكلمات من المكان وأعادتني لثلاثين سنة تقريبًا، حيث كنت أجلس مع صديقي في مطعم البهو الرئيسي في جامعة الملك سعود ونحن نتناول طعام الغداء. كنت أحدثه في موضوع، أظنه مهم، بينما أنشغل بتحريك الرز في الصحن بالملعقة والشوكة بحثًا عن حبات الزبيب المدفونة ليخرجها ويضعها جانبًا. قال لي بأن انتباهه حيث صحن الرز وحبات الزبيب! تبسمت لكلامه ولم أعلّق، فأنا أعرفه وأعرف ما يُحب ويكره فهو صديق العمر!

تركته ينهي مهمته بنجاح وأنا أعابثه، بصريًا، بالبحث عن حبات الزبيب في صحني ومن ثم أكلها. كنت أشعر بلذة جارفة وأنا أضغط على حبة الزبيب برفق بأضراسي!

عندما أنهى بنجاح مهمته، نظر إلي وهو يبتسم قائلًا:

“تدري إنها مشكلة! مو ضروري إن كل شي حلو ينحب!”

 وافقته بإيماءة رأس، لكيلا اقطع عليه استرساله بالكلام، ولكنه لم يُكمل للأسف، بل رمى سنارة أسئلته اللاذعة في نهري الضحل، كعادته، قائلًا:

“ممكن توصف لي شعورك وأنت تاكل حبة الزبيب مع الرز، أو ليش تحب الزبيب أصلًا؟”

أدهشتني هذه المباغتة، موجعة أحيانًا الهجمات المرتدة، بل وقاتلة فكثيرًا ما تسببت بهزيمة مُباغتة لم تحسب حسابها! ابتسمت في البداية ببلاهة، ابتسمت لأنني لم أمتلك اليقينية الكاملة لأُجيبه، ولذلك قلت له: “أظن يا بو دهام أني أحاول معادلة طعم المرارة في فمي! من زمان وطعم المرارة ما يفارق فمي صدقًا! لا تسألني ليش؟ ولا من متى؟ ما عندي يقين يا صاحبي!”

سكت عن مشاغبتي، أظن بأنه رأى في ملامحي ما دعاه لذلك، وسال الحديث في أوديته المعتادة.

مرّت أيام، بل أعوام طويلة جدًا على تلك الأسئلة، على تلك الحياة وأنا أحاول التخفف من كل شيء، تفتني لحظة متخيلة في أن أمر، في ذاكرة أحدهم، كمن لا يمر!

لا أدري، يا بو دهام، بعد هذه السنوات الطويلة لماذا، كنت، أحب الزبيب؟!

يمكن كنت أحبه لأنه صغير، وأنا أحب الأشياء الصغيرة التي لا تأخذ حيزًا مكانيًا من جهة ولا تُلفت انتباه أحد من جهة أخرى! وأحبه أكثر لدفقة السكر التي تخرج منه من المضغة الأولى، وأحبه أكثر وأكثر بسبب تلك اللذة التي تغمرني لحظتها! أشعر بانتشاء كامل، ولو أنه لحظيٍ جدًا، يجعل دهشتي في عنفوانها! منذ الطفولة كان يغمرني ذلك الشعور فـ”كيك اليونيفود بالزبيب” يرسلني لعالم آخر من الدهشة واللذة وأنا أتناوله!

ذهب صديقي “أبو دهام” لبارئه رحمه الله، وذهبت معه كثير من “اللذاذات” التي كنت أعيشها، ومن أهمها لذة “الزبيب مع الرز”!

هذه اللحظة، وأنا أكتب، تنبهت بأنني لا أحرص كثيرًا على الزبيب وأكله! تنبهت أنني عدة مرات اشتري كمية صغيرة منه وأضعها في درج مكتبي الخاص، ولكني اتخلص منها بعد مرور عدة أشهر وهي بنفس الكيس المغلق الذي احضرتها فيه من المحل!

اليوم تناولت عدة حبات من الزبيب في الغداء، ولم أجد فيها تلك “اللذاذة” التي كنت استشعرها سابقًا، لا أدري هل المشكلة تكمن في الزبيب أم تكمن في أنني لم أعد اتقن المضغ كما كنت سابقًا، أم في لساني الذي لم يعد يمتلك القدرة على استشعار “اللذاذات” بسرعة أم أنها تكمن في شيء لا أعرف سره إلى هذه اللحظة؟

“أبو دهام”، لم تخبرني في يومٍ ما لماذا لم تُحب الزبيب؟

هل من العدل يا صاحبي أن أُخبرك عن أمرٍ ما ولا تخبرني!

…..

ثم إنه، كيف لحبة زبيب أن تعيدك لثلاثين سنة وأكثر؟؟

أفاتار غير معروف

الكاتب: عبدالعزيز الرويلي

عابرًا في مفازة الكلام، أحدو خلف نياق المعنى في التيه! للتواصل aazizrowiliy@gmail.com

أضف تعليق