سفر بلا ذاكرة…!

ورطة كبيرة أن تحمل ذاكرتك في كل وقت، وخاصة وقت السفر! تتمنى لو تواتيك الفرصة أن تضع ذاكرتك في مستودع أمانات المطار وتأخذ مخيلتك فقط، مخيلتك ذات الفضاء الرحب. 

أشعر بتوجس من الذاكرة فهي الصديق الخؤون، وهي العدو الوفي! فإذا صادقتك خانتك، وإذا عادتك وفت بعداوتها وحولت حياتك لقطعة من الجحيم.

تتعبني الذاكرة حتى في هذه الكتابة القلقة فأهرب كعادتي في مثل هذه الأمكنة للغرق في وجوه المسافرين! ألمح في التوجس، الخوف، الترقب، الصمت، الوهن، الشوق، الحزن، وباختصار ألمح المتناقضات والأضداد، أحيانًا، حتى في الوجه الواحد!

قلت في زمن سابق بأن المطارات متاهات الغربة، وإنها السفر الذي لا يؤوب! ولذلك أهرب، أو تستدرجني، لأغنية “أنتي وين”؟ وأشعر بفداحة السؤال، يضيق بي الصمت فيتحول ذلك السؤال إلى رشاش سريع الطلقات يمر بقسوة على وجوه العابرين الذين يشاركوني المكان!

أشعر هذه اللحظة بأن المطارات هي ” لا أمكنة” ببساطة. فقد أضاعت هويتها فهل هي الأرض التي تلفظ أو تودع المسافر، أو إنها على العكس، هي الأرض التي تحتضن، تضم، تحنو على ذلك الغريب الذي يبحث عن ذاته قبل أي شيء آخر!

أمامي رجل كبير في العمر، يبدو من لهجته بأنه يمني الجنسية، تأوه من شيء ما لا أعرفه، ثم دندن بمقطع من أغنية يمنية قديمة أعرفيها، أُنسيتها هذه اللحظة. بعد أن ملّ من نفسه ألتفت لجاره الشاب المصري وسأله عن اسمه، فرد الشاب: علي! وأنطلق اليمني يتحدث عن كثرة أسماء مثل أحمد وعلي ومحمد عند المصريين، وأنا يدندن في أذني ذاك الصوت اليمني الجذور:

“تايه يا عمري سنين، سنين في غربة وغياب”

ويسيل حديث اليمني، وتداهم حديثه في أذني الأصوات التي تسيل من تلاع المكان لتتداخل وتمتزج بصوت الرجل اليمني وهو يسيل في مجري الأذن المزدحم بأشياء وأشياء!

أعود للذاكرة! هل غادرتها أصلًا؟! فينقذني أبو بكر:

“أنتي وييييييين

تعبت مني المطارات

تعبت من المسافات”!

الطائرة تسير على الهوينى من خلف زجاج الصالة والمسافرين يقفون متحفزين للركوب، وكأنهم يستعجلون الأنعتاق من سجن هذه الصالة للدخول لسجن ذلك الأنبوب الضيّق لساعتين تقريبًا. وأتعجب كيف لإنسان يستعجل ضيقه بانتظار فرجه بضيقٍ أكبر!

يتأوه أبو بكر بيأسٍ لا مثيل له:

“أنا بكل المدن مريت

أنا من غربتي ملييييت”

وأنتبه بأن التعب هو من يقود هؤلاء الذين يقفون بانتظار الطائرة وهي تفتح الأبواب لينزل منها الركاب بذكرياتهم، بأحزانهم، بأمالهم وأشياء أخرى لا تقال، هؤلاء الركاب الذين يحتاج طاقم الصيانة لأكثر من نصف ساعة لتنظيف مكانهم من ذكرياتهم المتساقطة وأحزانهم الميتة وأمالهم الضعيفة، وبعدها تجهز الطائرة لنقل هؤلاء الواقفون الذين ينتظرون شيء ما!

أتمنى هذه اللحظة لو تحققت أمنيتي أعلاه وذهبت لموظف الجوزات وأعطيته ذاكرتي ومفاتيح المنزل التي نسيتها معي، على أن استعيدها منه عندما أعود!

جنحت بي المخيلة العابثة إلى تخيّل ردة فعل جندي الجوازات وأنا أُسلمه ظرف كبير وأقول له هذه ذاكرتي خذها أمانة حتى أعود، ولكن لا تفتحها لطفًا! المخيلة العابثة تجاوزت أكثر فتخيلت بأن الجندي قد أخذ الظرف وأضاعه، تنبهت لجنون الفكرة، كيف لي أن أعود ولا أجد ذاكرتي؟ تساءلت:

“هل يُعاش العمر بلا ذاكرة”؟ 

هذا السؤال خرج مني قبل أكثر من سبعة عشرة سنة في أحد المنتديات! غريب والله، سؤال معلّق في دهاليز الروح منذ ذلك الزمن البعيد! شيء متعب!

مُتعب والله!

هذه اللحظة يدخل الموظف المصري العابس وهو يرفع ورقة في يده ويخاطب الجميع:

“بصّوا يا قماعة، كل اللي محتاقينه منكو هو كرت الطيارة، موش محتاقين لا قواز ولا أي ورئة تانية”

يهجم عليه الواقفين ويقوم القاعدون باتجاهه، وأنا ما زلت أكتب وأرى النحو يتأوه بين حروفي والألم يعتصره فقد أرتكبت بحقه عدة جرائم على ما أظن في هذه الكتابة الغبية! 

ماذا بقي؟

سفر يلا ذاكرة

وهروب

وتعب

وأمل!

والموظف المصري يصيح علي وعلى أمثالي من القلة الجالسين:

“يالله يا قمااااااااعة”

وشخص مُتعب يريد إنهاء هذه الكتابة بأي وسيلة ممكنة، ولا يدري كيف؟

تُنقذه نظرة الموظف العابس، والذي ابتسم بوجهه وهو يلوّح له بيده مازحًا:

“ما تـ يالله يا باشا، هو  أنتا موش مستعقل على مصر ونيل مصر”؟

ابتسم له وأنا أؤمي برأسي. أقف وأسير بتثاقل تجاهه وأخاطبه وأنا أُعطيه كرت المغادرة:

“هو حدش يشرب من نيل مصر وما بيحبهاش يا باشا”؟

أتركه خلف ظهري وأسير باتجاه الطائرة وأنا أضحك على …..!

مُتعَب و مِتعْب!

مطار سكاكا

الساعة 3:05

28/ 7/ 1466هـ

28/ 1/ 2025

أفاتار غير معروف

الكاتب: عبدالعزيز الرويلي

عابرًا في مفازة الكلام، أحدو خلف نياق المعنى في التيه! للتواصل aazizrowiliy@gmail.com

أضف تعليق