سفر بلا ذاكرة…!

ورطة كبيرة أن تحمل ذاكرتك في كل وقت، وخاصة وقت السفر! تتمنى لو تواتيك الفرصة أن تضع ذاكرتك في مستودع أمانات المطار وتأخذ مخيلتك فقط، مخيلتك ذات الفضاء الرحب. 

أشعر بتوجس من الذاكرة فهي الصديق الخؤون، وهي العدو الوفي! فإذا صادقتك خانتك، وإذا عادتك وفت بعداوتها وحولت حياتك لقطعة من الجحيم.

تتعبني الذاكرة حتى في هذه الكتابة القلقة فأهرب كعادتي في مثل هذه الأمكنة للغرق في وجوه المسافرين! ألمح في التوجس، الخوف، الترقب، الصمت، الوهن، الشوق، الحزن، وباختصار ألمح المتناقضات والأضداد، أحيانًا، حتى في الوجه الواحد!

قلت في زمن سابق بأن المطارات متاهات الغربة، وإنها السفر الذي لا يؤوب! ولذلك أهرب، أو تستدرجني، لأغنية “أنتي وين”؟ وأشعر بفداحة السؤال، يضيق بي الصمت فيتحول ذلك السؤال إلى رشاش سريع الطلقات يمر بقسوة على وجوه العابرين الذين يشاركوني المكان!

أشعر هذه اللحظة بأن المطارات هي ” لا أمكنة” ببساطة. فقد أضاعت هويتها فهل هي الأرض التي تلفظ أو تودع المسافر، أو إنها على العكس، هي الأرض التي تحتضن، تضم، تحنو على ذلك الغريب الذي يبحث عن ذاته قبل أي شيء آخر!

أمامي رجل كبير في العمر، يبدو من لهجته بأنه يمني الجنسية، تأوه من شيء ما لا أعرفه، ثم دندن بمقطع من أغنية يمنية قديمة أعرفيها، أُنسيتها هذه اللحظة. بعد أن ملّ من نفسه ألتفت لجاره الشاب المصري وسأله عن اسمه، فرد الشاب: علي! وأنطلق اليمني يتحدث عن كثرة أسماء مثل أحمد وعلي ومحمد عند المصريين، وأنا يدندن في أذني ذاك الصوت اليمني الجذور:

“تايه يا عمري سنين، سنين في غربة وغياب”

ويسيل حديث اليمني، وتداهم حديثه في أذني الأصوات التي تسيل من تلاع المكان لتتداخل وتمتزج بصوت الرجل اليمني وهو يسيل في مجري الأذن المزدحم بأشياء وأشياء!

أعود للذاكرة! هل غادرتها أصلًا؟! فينقذني أبو بكر:

“أنتي وييييييين

تعبت مني المطارات

تعبت من المسافات”!

الطائرة تسير على الهوينى من خلف زجاج الصالة والمسافرين يقفون متحفزين للركوب، وكأنهم يستعجلون الأنعتاق من سجن هذه الصالة للدخول لسجن ذلك الأنبوب الضيّق لساعتين تقريبًا. وأتعجب كيف لإنسان يستعجل ضيقه بانتظار فرجه بضيقٍ أكبر!

يتأوه أبو بكر بيأسٍ لا مثيل له:

“أنا بكل المدن مريت

أنا من غربتي ملييييت”

وأنتبه بأن التعب هو من يقود هؤلاء الذين يقفون بانتظار الطائرة وهي تفتح الأبواب لينزل منها الركاب بذكرياتهم، بأحزانهم، بأمالهم وأشياء أخرى لا تقال، هؤلاء الركاب الذين يحتاج طاقم الصيانة لأكثر من نصف ساعة لتنظيف مكانهم من ذكرياتهم المتساقطة وأحزانهم الميتة وأمالهم الضعيفة، وبعدها تجهز الطائرة لنقل هؤلاء الواقفون الذين ينتظرون شيء ما!

أتمنى هذه اللحظة لو تحققت أمنيتي أعلاه وذهبت لموظف الجوزات وأعطيته ذاكرتي ومفاتيح المنزل التي نسيتها معي، على أن استعيدها منه عندما أعود!

جنحت بي المخيلة العابثة إلى تخيّل ردة فعل جندي الجوازات وأنا أُسلمه ظرف كبير وأقول له هذه ذاكرتي خذها أمانة حتى أعود، ولكن لا تفتحها لطفًا! المخيلة العابثة تجاوزت أكثر فتخيلت بأن الجندي قد أخذ الظرف وأضاعه، تنبهت لجنون الفكرة، كيف لي أن أعود ولا أجد ذاكرتي؟ تساءلت:

“هل يُعاش العمر بلا ذاكرة”؟ 

هذا السؤال خرج مني قبل أكثر من سبعة عشرة سنة في أحد المنتديات! غريب والله، سؤال معلّق في دهاليز الروح منذ ذلك الزمن البعيد! شيء متعب!

مُتعب والله!

هذه اللحظة يدخل الموظف المصري العابس وهو يرفع ورقة في يده ويخاطب الجميع:

“بصّوا يا قماعة، كل اللي محتاقينه منكو هو كرت الطيارة، موش محتاقين لا قواز ولا أي ورئة تانية”

يهجم عليه الواقفين ويقوم القاعدون باتجاهه، وأنا ما زلت أكتب وأرى النحو يتأوه بين حروفي والألم يعتصره فقد أرتكبت بحقه عدة جرائم على ما أظن في هذه الكتابة الغبية! 

ماذا بقي؟

سفر يلا ذاكرة

وهروب

وتعب

وأمل!

والموظف المصري يصيح علي وعلى أمثالي من القلة الجالسين:

“يالله يا قمااااااااعة”

وشخص مُتعب يريد إنهاء هذه الكتابة بأي وسيلة ممكنة، ولا يدري كيف؟

تُنقذه نظرة الموظف العابس، والذي ابتسم بوجهه وهو يلوّح له بيده مازحًا:

“ما تـ يالله يا باشا، هو  أنتا موش مستعقل على مصر ونيل مصر”؟

ابتسم له وأنا أؤمي برأسي. أقف وأسير بتثاقل تجاهه وأخاطبه وأنا أُعطيه كرت المغادرة:

“هو حدش يشرب من نيل مصر وما بيحبهاش يا باشا”؟

أتركه خلف ظهري وأسير باتجاه الطائرة وأنا أضحك على …..!

مُتعَب و مِتعْب!

مطار سكاكا

الساعة 3:05

28/ 7/ 1466هـ

28/ 1/ 2025

حبة زبيب…!

حبة زبيب…!

اليوم وعلى الغداء وعندما بدأت بالأكل، قال لي من يشاركني الغداء بأنه لا يحب الزبيب الموجود فوق الرز!

كففت يدي عن الصحن لا شعوريًا، فقد سرقتني الكلمات من المكان وأعادتني لثلاثين سنة تقريبًا، حيث كنت أجلس مع صديقي في مطعم البهو الرئيسي في جامعة الملك سعود ونحن نتناول طعام الغداء. كنت أحدثه في موضوع، أظنه مهم، بينما أنشغل بتحريك الرز في الصحن بالملعقة والشوكة بحثًا عن حبات الزبيب المدفونة ليخرجها ويضعها جانبًا. قال لي بأن انتباهه حيث صحن الرز وحبات الزبيب! تبسمت لكلامه ولم أعلّق، فأنا أعرفه وأعرف ما يُحب ويكره فهو صديق العمر!

تركته ينهي مهمته بنجاح وأنا أعابثه، بصريًا، بالبحث عن حبات الزبيب في صحني ومن ثم أكلها. كنت أشعر بلذة جارفة وأنا أضغط على حبة الزبيب برفق بأضراسي!

عندما أنهى بنجاح مهمته، نظر إلي وهو يبتسم قائلًا:

“تدري إنها مشكلة! مو ضروري إن كل شي حلو ينحب!”

 وافقته بإيماءة رأس، لكيلا اقطع عليه استرساله بالكلام، ولكنه لم يُكمل للأسف، بل رمى سنارة أسئلته اللاذعة في نهري الضحل، كعادته، قائلًا:

“ممكن توصف لي شعورك وأنت تاكل حبة الزبيب مع الرز، أو ليش تحب الزبيب أصلًا؟”

أدهشتني هذه المباغتة، موجعة أحيانًا الهجمات المرتدة، بل وقاتلة فكثيرًا ما تسببت بهزيمة مُباغتة لم تحسب حسابها! ابتسمت في البداية ببلاهة، ابتسمت لأنني لم أمتلك اليقينية الكاملة لأُجيبه، ولذلك قلت له: “أظن يا بو دهام أني أحاول معادلة طعم المرارة في فمي! من زمان وطعم المرارة ما يفارق فمي صدقًا! لا تسألني ليش؟ ولا من متى؟ ما عندي يقين يا صاحبي!”

سكت عن مشاغبتي، أظن بأنه رأى في ملامحي ما دعاه لذلك، وسال الحديث في أوديته المعتادة.

مرّت أيام، بل أعوام طويلة جدًا على تلك الأسئلة، على تلك الحياة وأنا أحاول التخفف من كل شيء، تفتني لحظة متخيلة في أن أمر، في ذاكرة أحدهم، كمن لا يمر!

لا أدري، يا بو دهام، بعد هذه السنوات الطويلة لماذا، كنت، أحب الزبيب؟!

يمكن كنت أحبه لأنه صغير، وأنا أحب الأشياء الصغيرة التي لا تأخذ حيزًا مكانيًا من جهة ولا تُلفت انتباه أحد من جهة أخرى! وأحبه أكثر لدفقة السكر التي تخرج منه من المضغة الأولى، وأحبه أكثر وأكثر بسبب تلك اللذة التي تغمرني لحظتها! أشعر بانتشاء كامل، ولو أنه لحظيٍ جدًا، يجعل دهشتي في عنفوانها! منذ الطفولة كان يغمرني ذلك الشعور فـ”كيك اليونيفود بالزبيب” يرسلني لعالم آخر من الدهشة واللذة وأنا أتناوله!

ذهب صديقي “أبو دهام” لبارئه رحمه الله، وذهبت معه كثير من “اللذاذات” التي كنت أعيشها، ومن أهمها لذة “الزبيب مع الرز”!

هذه اللحظة، وأنا أكتب، تنبهت بأنني لا أحرص كثيرًا على الزبيب وأكله! تنبهت أنني عدة مرات اشتري كمية صغيرة منه وأضعها في درج مكتبي الخاص، ولكني اتخلص منها بعد مرور عدة أشهر وهي بنفس الكيس المغلق الذي احضرتها فيه من المحل!

اليوم تناولت عدة حبات من الزبيب في الغداء، ولم أجد فيها تلك “اللذاذة” التي كنت استشعرها سابقًا، لا أدري هل المشكلة تكمن في الزبيب أم تكمن في أنني لم أعد اتقن المضغ كما كنت سابقًا، أم في لساني الذي لم يعد يمتلك القدرة على استشعار “اللذاذات” بسرعة أم أنها تكمن في شيء لا أعرف سره إلى هذه اللحظة؟

“أبو دهام”، لم تخبرني في يومٍ ما لماذا لم تُحب الزبيب؟

هل من العدل يا صاحبي أن أُخبرك عن أمرٍ ما ولا تخبرني!

…..

ثم إنه، كيف لحبة زبيب أن تعيدك لثلاثين سنة وأكثر؟؟

في رثاء رجل لم يكرهه أحد!

فقدت اليوم مدينة القريات أحدى رجالاتها الكبار، والذي لطالما ما كان منبرًا للحث على الخير والتقوى. لأكثر من ثلاثين عامًا كان يقف فيها على منبر الجمعة، الذي يتوافد له الناس، وخاصة البسطاء منهم، من كل حدب وصوب ليستمتعوا بخطبته. تلك الخطبة الواعية والتي دائمًا ما تتنزل لفهومهم بلغة فصيحة مبسطة وبأسلوبٍ جميل، وتُجيب على تساؤلاتهم وتمنحهم ما يريدونه من فهم وفقه في أمور دينهم ودنياهم.

كنت لا أترك صلاة الجمعة عنده إلا إذا كنت خارج المدينة، آتي له من منزلي البعيد وأتمعن ليس في خطبته وما تحتويه من توجيه ونصح وحث على الخير والصلاح والتقوى، بل أتمعن في أسلوبه الجميل وانتباهه إلى أن أكثرية المصلين في الجامع هم من كبار السن البدو الذين لم يتعلموا القراءة والكتابة أو ينالوا نصيبهم الكافي من التعليم. ولهذا فقد كان يبتعد في الخطبة عن وحشي الكلام والتقعّر في اللغة فيختار ما فصح من اللفظ وما فُهم لدى العامة ليحمّله المعنى المراد بكلامه دون زيادة ولا تقصان!

أما تلاوته للقرآن فقد كانت، بالنسبة لي، قادمة من عالم آخر. فلم أسمع في حياتي من يقرأ بطريقته أبدًا، فهو عندما يبدأ التلاوة يبدأ بصوتٍ هادئ وخفيضٍ جدًا لا يكاد أن يُسمع ما يلبث أن يرتفع تدريجيًا، وكأنه لا يتلفظ بالآيات بلسانه بل يمتاحها من جُبّ روحه المؤمنة ليفيض على أسماعنا بفيوض السكينة والطمأنينة. يقرأ بهدوء وطريقة عجيبة وسكينة لا أتذكر بأني استشعرتها مع غيره. وكأنه حينما يقرأ ينفصل عن محيطه الخارجي وينغمس في تدبر ما يقرأ.

عندما توفي مؤذن مسجده بعد مرافقته لما يقارب من العشرين عامًا، وفي خطبة الجمعة التي تلت وفاته، خطب الخطبة وكان صوته قد اعتراه الوهن، ولم أكن أعلم عن وفاة المؤذن رحمه الله، وفي الخطبة الثانية نعى المؤذن لجموع المصلين وعندما بدأ يتحدث عن صفاته وعلاقته به وبالمسجد أجهش بالبكاء، وأكمل خطبته بعد لأي. لم أنسَ ذلك الموقف له، والذي دلني على صفة جميلة قلّ من يمتلكها هذا اليوم وهي وفائه الشديد لمن كان معه في وقتٍ لم يكن من المتعارف عليه أن يتحدث خطيب المسجد عن مثل هذه الأمور أو العلاقات على منبر الجمعة.

لم يتخرج ذلك الرجل الفقيه من جامعة ولا مدرسة نظامية، بل تخرّج من مدرسة الحياة وشق دروب الحياة وحفر الصخر بيديه ليبني نفسه، معتمدًا على الله سبحانه وتعالى فقط، بكل جدارة ممكنة مكانًا، بين الناس، لم يدانيه فيه من جيله أحد من الذين عاشوا في نفسه ظروفه وعانوا كما عانى. فقد كان عصاميًا منذ الصغر، فعمل في بواكير شبابه الأولى في مجال البناء والمقاولات في حفر الباطن ثم انتقل بعد فترة من الزمن، حسبما روى لي، إلى القريات واستقر بها. كان طوال الوقت يقرأ ويُعلم نفسه بنفسه حتى وصل لما وصل من علم وفقه.

سمعت اسمه في مجلس والدي غفر الله منذ طفولتي فأحببته لسيرته العطرة دون أن أراه، وعندما كبرت وأصبحت أصلي الجُمع عرفته فأحببته أكثر ولزمت جامعه لا أفارقه، وعندما أصبح جار لنا أحببته أكثر فأكثر. كان مُهيبًا في هيئته، صاحب وقار وسمت عجيب، حيي في حديثه، لا يرفع صوته كثيرًا، ولا يقترب من وحشي الألفاظ. لا يغتاب أحدًا ولا يذكر، حتى لو بالرمز مثالب جماعة ما وإن لم يسمهم بأسمائهم.  كان نقي العرض، نظيف القلب، طاهر السريرة. لم أسمع منه لا في منبره ولا مجلسه نبّوة أو حتى زلّة مهما بدت تلك الزلة صغيرة جدًا. حريص على كلامه، يختار لمعانيه التي يريد أجمل الألفاظ لكي تصل للمتلقي بأبسط صورة ممكنة وأكثر ما يتطلبه الوضوح.

أفرح كثيرًا عندما يزورنا وأكون موجودًا في المجلس، لكنه كان لا يتحدث كثيرًا، ولكنه إذا تحدث أخذ بلُب سامعه بحسن حديثه، حسن وصفه لما يتحدث عنه وصياغته الجميلة للموضوع، والتي تجعل المستمع إليه لا يتمنى أن ينتهي من حديثه إلا ليكمله بحديث آخر! وصوته في الحديث يُشابه صوته في قراءة القرآن، فهو خفيض وندي وفيه بحة جميلة تسيطر عليه أحيانًا فتمنحه ذلك الجرس الموسيقي والذي يستقر في روحي قبل أذني. وهو عندما يتحدث حديثه العادي، ينحى فيه إلى الفصحى السهلة المفهومة لدى الجميع.

في السنوات الأخيرة وعندما تكاثرت الأشغال وقلّت بركة الوقت، كنت أتحين وقت صلاة المغرب إذا كنت في نفس الحي فأصلي معه وأسلم عليه. دعاني عدة مرات لمجلسه لتناول القهوة، ومن حسن حظي كنت في تلك المرات لوحدي، فلم يشاركني أحد لذة الحديث معه ومطارحته الأسئلة والأفكار. وعندما أخرج من عنده تبقى أحاديثه في الذاكرة لأيام طويلة أفكر فيها، وفي شخصيته الفريدة البالغة البساطة، وكأن الشيخ رحمه الله جسّد معنى عظمة الأشخاص الكاملة ببساطته التي لا ينافسه فيها أحد.

إنه الشيخ صاحب الوجه الوضيء، التقي، الورع، الكريم، العفيف، الشيخ [عبدالله جروح] إمام جامع صخر السديري السابق في حي الفيصلية بالقريات. فإلى رحمة الله، يا أبا ماضي، وعفوه وغفرانه، أسكنك الله الفردوس الأعلى من الجنة بلا حساب أو عقاب.

هذه الكتابة عن أبي ماضي ليست من باب الرثاء، فأنا أقل من أن أرثيه ذلك الذي الرثاء الذي يستحق، ولا من باب المديح والذي لا أجيده أبدًا، بل هي غصة تكاد أن تخنقني مُذ قرأت خبر وفاته والذي وصلني ضحى هذا اليوم فجعلني أتسمّر مكاني لدقائق طويلة وأنا استعيد قصص ومواقف ذلك الكريم، فلم يكن لي من الأمر بُد من إراقة هذه الأحرف الهزيلة لمحاولة التعبير عما بداخلي من حزن لا استطيع التعبير عنه.

هذه الكتابة مرة أخرى، هي كتابة مبعثرة، لا ناظم لها سوى ذلك الخيط الكبير الذي تركنا في وعثاء الحياة وغادرنا إلى ربٍ كريم، لطيف، رحيم وسعت رحمته السماوات والأرض، ولهذا أتت وكأنها نفثة مصدور، وغصة قلب، وحشرجة روح! فبارك الله فيمن قرأ وغفر ما رأى من هفوة وزلة لمن كتب، وأطلق الدعوات تُترى بالرحمة لأبي ماضي، ذلك الرجل الذي لم يكرهه أحد.

صندوق الحياة، وأسئلة أخرى!

هل الحياة عبارة عن صندوق؟

هل يُرضينا ما هو داخل الصندوق الذي يخصنا؟

أم أننا نرى صناديق الآخرين ونظن بأن ما فيها أجمل مما هو موجود لدينا؟

صناديقنا التي ضمّت أحلامنا، آمالنا، أفراحنا، أحزاننا، أوجاعنا، هزائمنا، خسائرنا، الأشياء التي فقدناها، الأشياء التي اعتقدنا بأننا افتقدناها، الأشياء التي وجدناها، الحياة التي تمنيناها، الأشياء التي فزنا بها، الأشياء التي توهمنا بأننا فزنا بها، الأشياء التي تتفالت من بين أيدينا دون أن نشعر بها، الأشياء، العلاقات التي تمسكنا بها أكثر مما ينبغي، العلاقات التي أهملناها، العلاقات التي خسرنا بسبب جهلنا، الحياة التي سُرقت فيها أعمارنا ونحن نلهث خلف ما ليس لنا، حيواتنا الذابلة، الهمهمات المستحيلة، القدَر الذي وقع، القدَر الذي نخافه، القدَر الذي نتمناه، الغياب، الضحكات المنسية، قصاصات الورق المكتوبة بقلم الرصاص، تلك التي مل الرصاص منها وهجرها بعد سنواتٍ طِوال ولم يترك سوى أثر أقدامه، الصمت الذي أفقدنا ما نُحب، الكلام الذي تحوّل إلى همهمات غير مفهومة قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ولا يخرج من بين الشفاه المضمومة سوى رفاته والذي تشكّل على هيئة زفرات حارة!

صناديقنا التي ما زالت تحتفظ بوجوه الآخرين المتروكة في الذاكرة، أرواحهم التي تحوم حولنا، نكاتهم، ضحكاتهم، مواقفهم، أحزانهم، بل وحتى مواقفهم الصعبة أو السيئة، لا مبالاتهم، غدرهم، خيانتهم، أو حتى هجرهم!

كل شيء، كل “لا شيء”، وكل ما يجعلك تشعر بأن التلاشي هو كمالك المستحيل الذي لا تصبو إليه! الأغاني القديمة، الأغاني التي شكلتنا ثم بعثرتنا وفتتنا قبل أن تُذرينا لرياح النسيان! نحن الذين فقدنا البوصلة، ففقدنا الاتجاه، ولم نعد كما كنا، أو لما كنا أو لما نتمنى!

أن تضل الطريق أو يهرب منك الطريق، ألا تصل لما تريد، أن تظن بأنك وصلت، ألا تمتلك اليقين فيما هو “دنيوي”، ألا تنتبه لشيء إلا عندما تدلف في غفلة منك إلى باب “الخمسين”. تشعر بأن ذلك الصندوق حدث له شيءٍ ما، فتسير قليلاً وأنت غافل عن كل شيء، حتى نفسك، سادراً في غيّك أو “متحوصلٍ” في نسيانك المتوهم الذي يحميك من كل شيء أو كما تظن أو تتمنى أو تتوهم ذلك! ذلك الباب الذي ينغلق خلفك بهدوءٍ قاتل وعندما يكمل انغلاقه يُصدر صوتاً حاداً يجعلك تعود لرشدك، تخرج من “شرنقة” النسيان مفجوعاً، تلتفت للخلف فتقرأ ما تظن بأنه قد كُتب على باطن الباب: “أهلاً بك في مفازة الخمسين”!

تشهق! تلتفت للفراغ الذي “أكل” العبارة السابقة، تبحث عن شيء، عن أي شيء يُكذّب ما ظننت بأنك قرأته فلا تجد سوى الفراغ! ذلك الفراغ الذي يُحيل المعنى إلى الـ”لا معنى”!

تنتبه! تنتبه أكثر بأنك سائر إلى نهايتك ولا يوجد معك أي شيء، فارغ من كل شيء حتى نفسك! لم تحمل بيدك أي شيء، حتى “خُفّيّ حنين” لم تنتبه لوجدهما قبل أن تدلف من ذلك الباب!

تعود أدراجك، تعود لأنك تظن بأن حياتك قد سقطت منك في لحظة سهو خلف الباب! تصل للباب فتتفاجأ بأن لا مقبض له، تلتفت بحثاً عنه فتتفاجأ أكثر، لقد اختفت حدود الباب! ذاب داخل الجدار كما ذابت الكثير من الأشياء في حياتك سابقاً دون أن تنبه!

تحاول أن تستوعب الموقف، أن تفكر فيما سقط منك خلف الباب الذي أختفى فجأة، تحاول أن تنتبه لما تبقى لديك أو تبقى فيك، أو تبقى منك! تشعر بشيء لا تعرف كنهه، تظن بأنك، ولكن تتراجع عما ظننته قبل أن تعبّر عنه! تحاول أن تعرف لكنك تتراجع في اللحظة الأخيرة، تتساءل هل هناك أي جدوى من تلك المعرفة؟ وفيما لو عرفت هل تستطيع تغيير ما لا تريد؟ هل تريد ما عرفت؟

ينبت السؤال داخلك في لحظتك الحرجة تلك: “هل أنت، أنت؟” سؤال قاتل، ولكنك تهرب من إجابته، تهرب لأنك تتيقن بعد فوات الأوان بأن المعرفة جحيم وبأن الجهل نعيم مقيم!

“القطار الخطأ، يمكن أن يأخذك إلى المكان الصحيح”، عبارة حالمة مرّت علي، وأجزم بأن الكثير منّا يتمنى مضمونها وإن لم يكن قد سمعها من قبل. الأمل الذي تُشيعه هذه العبارة

أتساءل، هل من الممكن أن نكون قد أخطأنا وجهاتنا لكي تكون الوجهة الخطأ هي الصحيحة؟

هل من الممكن أن يكون الخطأ هو “الصح”؟ أو أن الصح هو “الخطأ”؟

هل لم نكن نقرأ إشارات الطريق؟

هل لم نكن نهتم بمصداقية العناوين؟

هل لم نكن نعرف العناوين حقاً؟

هل نحن الذين ركبنا القطار؟

من الذي تغيّر؟ القطار، أم العنوان، أم نحن؟

في معنى الحديث عن “هرطقات” إرقٍ ووحيد!

في معنى الحديث عن أن تمكث في سريرك لأكثر من سبع ساعات تستجلب حمائم الوسن الهاربة عن أعشاشها وتفشل!
تهبط تلك الحمائم في أعشاشها لدقائق، وأحياناً لثوانٍ معدودة، وكأنها تخاف عليه أن يُسرق منها أو تفقد حميمية المكان قبل أن تغادره لفضاء الله!

في معنى الحديث أن تحاول الاستعانة بقواتٍ لفض اشتباكات الأفكار العنيفة وما تخلفه من دمارٍ هائل في العقل والروح!
في ما كان، وما يكون، وما سيكون!
و….. عن الذابل من الأماني
عن الميت من الأحلام
عن عبثية الأشياء من حولك
عن إيمانك
عن الأيام وغرائبيتها العجيبة
عن اللاشيء بجرأته العجيبة وهو يحاول أن يكون شيئاً مذكوراً
عن اللغة، عن مجازاتها، عن إيجازها، عن تلعثمها، عن خجلها، عن فشلها، عن ضعفها، عن فقدها للمعنى، للمبنى، وللحياة!

وفي معنى الحديث عن الصمت الذي لا يمل من نفسه
عن صوته الذي قتله في لحظة غي
عن تلك المواعيد الضائعة، عن الخوف، عن الكمال، عن السلام
عن أن تكون لا مرئياً وأنت في قمة حضورك!

في معنى الحديث عن معنى الحياة، ومفازتها!
عن مفازة الكلام!
أن تقول كل شيء دون أن تقول شيئاً!
عن خيانة الأحرف، وعبثية الكلمات!
عن وفاء الضمائر
عن أن تنتبه متأخراً بأنك قد قررت في لحظة سهو منك بأنك لن تكون إلا ضميراً مستتراً!
أن يأخذ ذلك الاستتار حتمية الوجوب!
أن لا تكون ضميراً منفصلاً ولا متصلاً
لأنك ترى بأن الأنفصال موت أو خيانة
وأن الاتصال هو نوع من الانتماء!
وأنت من يُخيفك الانتماء
يقلقك الانتماء!
تحب دائماً أ ن تستشعر بأن “الانتماء” ما هو إلا الـ”أنت…ماء”!
هكذا تعيد نفسك لجذورك الأولى، لسيرتك الأولى، لكينونتك النقية.
أن تكون حراً
لا قيد يمنعك، ولا حيّز يؤطرك!
لا واجبات عليك
لا شيء، لا شيء!

في معنى الحديث عن أن المجاز هو المعنى
أو أن المجاز خيانة للمعنى
أو أن المجاز استلاب للمعنى!
أو أن المجاز قتل للمعنى!

أن تكون أنت المجاز الذي لا يُرى!
لا يهتم له أحد
أن تحمي نفسك في شرنقة المجاز !
أن تكون أنت، أنت
مجاز في مجاز في مجاز!

في معنى الحديث عن القلق وكيف يعيدك لبداهة الأشياء، يُنبهك للعادي من الأحداث، كأن تقوم بعدّ نبضات قلبك والتي يعود صداها لإذنك وأنت تُلقي برأسك على وسادتك تبحث عن طريقة للقبض على تلك الحمائم “المتذيّرة”!
تتخيل لوهلة بأن هذا القلق الذي يستعمرك ما هو إلا غربان قابيل التي شاركته في إخفاء معالم الجريمة البشرية الأولى!
تلك الغربان هي التي تمنع حمائم الوسن من “البيات” في أعشاشها بعد أن استوطنتها!

في الحديث عن أن “البيات” هي اسم مفعول لـ”بات”، وأن بات فعل أمرها “بُتّ”، وأن هذا الفعل أصله من “بَتّ” أي قطع وبتر، وكأن البيات هو قطع بين مرحلتي النوم واليقظة! ما هذه الهرطقة؟!

وعن أنني قد “هرطقت” في اللغة كثيراً، ووصلت لمرحلة تقارب “الكفر” بها، في نحوها وصرفها وبلاغتها ومجازاتها، وأتيت بما لم يأت به الأوائل من “الخزعبلات”، وأن أكثر من يتألم ههنا هي همزات الوصل والفصل!
وأنا والله ما “كفرت” في من أُحب، ولكن ربما طرقي خاطئة في التعبير عن حُبي لمن أحب!

ولذا سأتوقف ههنا!
سأتوقف لأنني أحب اللغة، وإن كانت لا تشاركني هذا الحب!
أنا الذي دائماً ما يقع في حب من “لا يحبه”!
هذه الليلة، مأسور لحبيبين لا يحباني، النوم واللغة!
سأترك اللغة قليلاً لتنام، وأتمنى من النوم أن يُرخي بسجفه علينا سويا لننام!

عـــطــــش…!

الإهداء:

إلى تلك البدوية التي خافت نفسها، ففرت هاربة من الحـ……!:

كيف نترك العطش يغتال أجمل أيامنا دون أن نعترض؟

في ليلة باردة من ليالي أرض الحماد الحزينة انتهى الماء عند “العرب”، ومورد الماء بعيد جداً والأرض موحشة، ومليئة بكل ما قد يُخيف الإنسان ويوقد حواسه ويجعل روحه على وجل من كل شيء! ولأن البقاء على هذا الحال يعني الموت بطريقة مؤلمة وإن كان بصورة مؤجلة، فقد تشجع أحدهم، ممن أحرقه اليباس وبدأ الموت يجيس في فيافي روحه على المغامرة للبحث عن الماء، فأخذ سلاحه وركب ذلوله واستجنب ثلاثة جمال ومعه سبعة “قِربْ” يكاد أن يقتلها اليباس أيضًا، ومشى الهوينا وهو “يهيجن” بصوتٍ شجي مليء باليأس والرجاء:

“وين المخاوي نبي نسري؟

نبي نروّيّ، قضى مانا”*

كان يستحث أهل “النَزلْ” أو “العرب” الذين يغطون بنومٍ عميق وترفرف فوقهم طيور الموت مالئة أسماعهم بأصواتٍ تأتيهم من أعماق أحلامهم الميتة، أصوات كانت تمنعهم من سماع أي أصوات أخرى من الممكن أن تعيدهم للحياة وتخلصهم من برزخهم السديمي! يستحثهم لعله يحظى برفقة تساعده في التخفيف من وعثاء الطريق ووحشته. فقد كان، عبر “هجينيته”، يطلب بصيغة رقيقة رفيقاً مؤنساً له في رحلته الطويلة لإنقاذ المئات من الأرواح النائمة في سكون هذه الليلة الباردة!

ذلك الـ”أحدهم” كان ممن استوطنه القلق والخوف والتساؤلات والبحث عن الحلم/ الحياة/ الحب/ الحرية. ولذلك أنجاه الله من تلك الطيور وما تفعله في البقية. وهو مشغول بالعطش/ الانتماء/ صيرورة المآل، فمنذ يومين لم يعد يأبه بالشمس التي يحرص على التمعن في غروبها كل مساء! قبل غياب شمس ذلك اليوم ذهب ذلك الـ”أحدهم” لأكبر رجال القبيلة عمراً، وهو ممن ذاق من الحياة ألذّها، وأكلت منه ألذّه، فشعرا بالانتصاف من بعضهما فتهادنا وتركا أمرهما للأقدار ولِما تُقدِّره! سأله عن أقرب موارد الماء تلك التي يجد فيها الماء متوافراً في مثل هذا الوقت، والأقرب لتلك الفيافي الحزينة!

قال له ذاك الذي يجادل الموت على صيغة تحفظ له ماء الوجه، أمام نفسه على الأقل: “لا ماء إلا في نجد! لا ماء إلا في نجد.. فضّعْ نجم الجدي على حاجبك الأيسر، وضّعْ القِبلة بين عينيك، وفي قلبك، وسِرّ ليلك، ولا يغرنّك طوله، فليل نجد طويل، طويلٍ جداً على من هو مثلك! ستجد غديراً كبيراً، عندما تبتسم لك الحياة، في نهاية طريقك، ولكن لن تجده إلا بعد أن يصمُّ سمعك صوت طيور القطا المتطايرة بعد أن أربكتها وهي نائمة على الأرض! عندها أنخ جمالك وستجد الماء تحتك فأملأ قِربك بالماء، وبعد أن تملأها أرجع في ليلتك تلك، ولا تنم مهما شعرت بالتعب والنعاس، لا تنمْ فإنك إن نمت، صحوت ولن تجد شيئاً!”

بعد غياب الشمس بساعة، تجوّل ذلك البدوي المُثقل بإرث بداوته وقبيلته وروحه في “النزل”، وهو يردد “هجينيته” باحثاً عمّن يرافقه في رحلته التي لم يكن على يقين بنتائجها، فرحلة جلب الماء/ الحياة قد تطول، فلابد له من رفقة صالحة/ مالحة! رفقة تُشعره بأنه ما زال على قيد “الحياة” بدلاً من ذلك الموت الذي بدأ ينبجس في فيافي الروح بخفرٍ بالغ، وكأنه يعتذر مما لابد منه إلا أن تُنقذه رفقة تعينه على هذا الطريق الطويل!

لم يسمعه أحد، أو هكذا ظن، ولم يُحب أن يرفع صوته أكثر خوفاً من إرباك المكان وأهله. ولذا شدّ خطام ذلوله، وبعصاه وجهها إلى تلك الجهة التي يظن بأنه سيجد عندها الماء/الحياة، وتبعته الجمال الثلاث المحملة بقِربها الست، بينما وضع القربة السابعة خلفه على مؤخرة الذلول.

كان الليل يقترب من منتصفه بهدوء وببطء مُريب وكأنه على وجل! عاد يهيجن مرة ثانية لينتصر على عطشه وهواجسه وخوفه، ليُسلّي نفسه بأنه لو خانه الجميع فصديقه الشعر لن يخونه:

وين المخاوي نبي نسري

نبي نروّيّ قضى مانا

أكمل ببيتٍ آخر يقدمه كقربان يشربه العطش ليمنحه الماء لاحقاً:

“يا ضيعة العمر يا أسري

ويا حظ موت يتقفانا”

بعد وقتٍ لا يعلمه، أتاه صوت من وسط الظلام، صوت أنثوي تستوطنه بحة أزلية، يتهادى بهدوءٍ عجيب، وكأن أحرفه السابحة في الهواء تتحسر على مفارقة تلك الشفتين الدافئتين! أرهف السمع لِما توهم أنه حلم في البداية، فسمع ذلك الصوت المتردد:

“أيا ولَد مطلبك عسري

راح أكثر العمر ما جانا”

توقف قليلاً، أدار بصره في الظلام فلم يشاهد حتى أطرافه! بذر نظراته في الظلام لعل قطرات ضوء تسقيه جسد ذلك الصوت القادم من المجهول، لم يرَ شيئاً. كرر فعلته وفي كل مرة تموت تلك البذور في لحظة وصولها للأرض!

تأوه، وغرق في صمته! تأوه مرة أخرى وبدأت شفاه روحه تتشقق! خاف ألا يقوى على الكلام فصرخ بصوتٍ لم يسمعه أحد سواه:

يا عطش روحي ويا كسري

ويا حزن عمرٍ تمثنانا

اقتربت صاحبة الصوت، أو هكذا خُيّل إليه، منه دون أن يستطيع تحديد مكانها بدقة فضلاً عن أن يرى ملامحها. تحادثا في الطريق فشعر بأن صوتها ببحته الجميلة ينبع منه الماء فيسقي روحه الذابلة، كانت قريبة جداً منه، ولكن لأن الظلام، بالنسبة له، كان دامساً فلم يشاهد منها شيئاً، فقط كان يسمع كلامها الآسر، و”ترزّم” نياقها، التي ترافقها، تلك المخلوقة من حنينٍ لا متناه الامتداد!

أخبرته بأنها مُذ خُلقت لم تبتل بالماء! تعجب فيما بينه وبين نفسه قائلاً: “وصوتها الذي ينبع منه الماء؟” عندما أنهى تساؤله، ضج المكان بصيحات طيور القطا: “قطا…قطا…قطا…قطا”. علم بأنه قد وصل للماء كما أخبره ذلك الرجل. عندها تشجّع وقال لها بأنه سيسقيها حتى ترتوي! وصلا الماء سوياً، وملأ قربهما بالماء، كانت لشدة قربها منه يشعر بأنفاسها تدفئ جسده البارد وبهمساتها تعيد دوزنة أيامه وهو يسمع صوتها ولا يراها! صوتها والذي تسكنه بحة آسرة، بحة تسافر به إلى جذوره الأولى، إلى أجداده البداة الذين كتبوا سيرتهم على الأرض بدماء قلوبهم وآهات أرواحهم! قالت له، أشرب من الماء فشفاهك ينبجس منها الدم! لا شعورياً رفع أصابعه بسرعة إلى شفتيه فوجدها دافئة، تحسس أصابعه فشعر بسائل كأن به لزوجة في أطرافها، إذن هو الدم فعلاً! كيف تراه ولا يراها؟ هذا السؤال الذي عنّ في خاطره وخاف أن يُريقه على لسانه!

حاول أن يقول شيئاً يدل على أنه يراها فلم يدرِ ما يقول! سكت للحظات، وعندما خُيل إليه بأنه يسمع صوت حركة الأساور في يدها، تشجّع وقال، انتبهي ليدك! ردت قائلة بأنفاسٍ لاهثة وبنبرة متهدجة وخائفة: “لا يد لي، لي جناح واحد ومكسور، ومع كسره فهو يرسف في الأغلال، كما أنني فقدت ظهري مُذ زمن لا أعلمه”! تراجع عمّا همّ به، تراجع أكثر عمّا فكّر به! استكان للصمت، أيقن بأن لن ينجيه من نفسه إلا الصمت!

عندما انتهوا من تعبئة القرب بالماء عادا سوياً، كانت قريبة منه إلى درجة يكاد يشعر بأنفاسها اللاهثة تعبث بعارضه الخفيف. تحدثا لوقتٍ لا يعلمه أيضاً، وفي لحظة شعر بأنه غاب عن الوعي قليلاً، حدث لها شيء لم يعلمه، لكنه شعر به، فقد فتحت له في لحظة حب باب قلبها فغمر بصره شعاع أضاءت له فيافي روحه الخربة وبدأت في الإزهار وكأن أمطار الدنيا قد أروتها في ومضة وسم! وفي أقل من لمح البصر شعرت بأنها قد أخطأت، مع أن فعلها كان أصوب فعل فعلته مُذ سنوات طوال، فأغلقت باب قلبها وهو يئن بحثاً عن الحلم/ الحياة/ الحب/ الحرية/ الحنو!

لم تمهله ولو لثوانٍ معدودة، فقد كان يريد أن يقول لها سأكون لك اليد التي تُمسكين بها الحياة، سأكون لك الجناح الذي تسافرين فيه إلى الحلم، سأكون لك الظهر الذي لن يخونك أبداً، القلب الذي يمنحك الحب والحنو، لكنها لم تمنحه الفرصة لأي شيء! تبخرت كسراب ظهيرة غطته غيمة عابرة! شعر بالرعب يتسربله!

عرف بأنه ميّت لا محالة إن بقي مكانه ولم يتقدم للإمساك بها! رأته وهو يهم بالتحرك تجاهها! قالت له بصوت مليء بالموت، الموت الذي كان ينتجه وهم طويل تولّد داخلها دون أن تنتبه له: “لا أحد لي سواك، لكني لست لنفسي”، أكملت: “أحياناً …….”، وسقطت في جُب توهماتها دون أن تنتبه أيضاً، واختفت! آخر ما سمع من تهويماتها:

“أيا ولد، وحدتي “أسَري”

هِنّ كبّلّني عن “أحيانا””

كان يريد أن يُنقذها من توهماتها، من يقيناتها الكاذبة، يريد أن يجعلها تشاهد يديها وأن تستشعر وجود ظهرها، ولكنها لم تمنحه الفرصة! كانت، ولأنها ابنة الصحراء، دائماً “متذيّرة”، تخاف من كل شيء! ساعد في ذلك كله، الوهم الذي يتسربلها، الوهم الذي يقوم عامداً بحجب الحقيقة عنها بخلط ما هو حقيقي بما هو مزيف من الأشياء، حتى تصبح الرؤية لديها ضبابية لا تسمح بالحكم والاختيار بصورة واضحة! إنه الوهم الذي صنع وحدتها، الوهم الذي أسرها وقيدها بقيودٍ غير مرئية!

أرسل آهته الأخيرة خلفها، كنداء استغاثة:

أصير لك موطن وجسري

لأحلام عمرٍ تعدانا!

بقي في مكانه لعمرٍ لا يعلمه، وعندما شعر بالعطش خلفه! العطش الذي يحترق داخله! بشفاهه التي أصبحت منبع لنهرٍ أحمر قانٍ يتبخر لحظة خروجه! علم بفطرته بأنه لا ماء في الروح، ولذا فقد الماء معنى الماء!

ألتفت خلفه بحثاً عن جِماله الثلاث وأدهشه ما رأى! كانت القِرب السبعة تتحول إلى عشرات من أسراب القطا البيضاء وهي تصيح: “قطا…. قطا” وتمنح الفضاء حياة مستعارة قبل أن تختفي في السماء ويأكلها الظلام! وقف لوهلة وبصره معلق في السماء السوداء والتي لا يُبدد سوادها سوى أسراب القطا البيضاء والتي لا يلبث أن يأكلها الظلام لاحقاً. عندما عاد ببصره للأرض والتفت للمرة الثانية للخلف صُدم من منظر جِماله الثلاث وهي تتحول إلى شيء كأنه الهُلام والذي ما لبث أن أمتصه الظلام، ذلك الظلام الذي اغتال بياض أسراب القطا، فهمهم بصوتٍ يسكنه الموت للمرة الأخيرة:

قلبي أنا موسّرنّ وسَرْي

ودّي لو العمر يتنانا!

أنحنى بصدره على ظهر ذلوله كي تشعر بقربه ولا تخونه، وسار ليله كله، وكلما خُيّل إليه بأن الفجر قد أوشك، أتت سحابة سوداء فزادت ثوب الليل، ليلاً طولاً! عندها تيقن للمرة الأولى بأن لا يقين يتلبسه! لذا وجّه ذلوله تجاه مفازة الحياة، حيث لا جهة، لا وقت، فهي الوحيدة التي ستتفاهم مع موته الذي يجادلها على صيغة تحفظ له ماء الوجه، وتمنحه الـ”لا موت” وتحتمل صمته! مشى لوقتٍ لا يعلمه. لم يعد يعنيه الوقت وتبدلاته. فقد فقَد الوقت، معنى الوقت، كما فقد الماء، معنى الماء! كان كل ما يعنيه هو أن يمشي ويمشي فقط.

يراوده أمل في أن تنبجس أمامه فجأة، أو يلتفت يميناً أو يساراً ليجدها بجانبه وهي تهمس له ببحتها الآسرة: “أنا معك، أنا لك”! يعاتب نفسه على هذا الأمل الذي لا “أمل” فيه، ويكمل مشيه، فهو يرى بأن وصوله هو موته، لذا فهو يمشي لكيلا يصل!

نعم، يمشي لكيلا يصل…..!

*البيت الأول فقط من هجينية قديمة لشاعر رويلي قديم لا أعرف اسمه.


	

تائه في مفازة الأعراف

تائه في مفازة الأعراف

اسمه نواف! هكذا خٌلق فجأة وهكذا عرف نفسه فجأة! كان شاباً وسيماً أنيقاً، عاش في المخيلة لأعوامٍ طويلة يمارس لهوه ومغامراته، يتصارع مع فشله ويستمتع في نجاحاته! كل ما يمكن أن يخطر على بال شاب من صفات جميلة موجود فيه وكأنما خُلق كما يشاء! ومع ذلك كان نزقاً لا يعرف للصبر معنى، متهوراً لا ينتبه لعواقب الأمور، هشاً من الداخل، فلربما هزمه حدث عاطفي بسيط فيجعله يتساقط من الداخل تساقطاً مريعاً وقاتلاً! لم يعجبه الوضع الذي يعيشه كثيراً برغم من كل صفات الجمال التي يمتلكها وأولها ملائكيته التي يُحسد عليها! كان يريد حياة أخرى لم يخلق لها، حياة تشبه حياة خالقه أو تتماها معها بطريقة أو بأخرى!

كانت مأساته الكبرى، حسبما يظن، تكمن في أنه لم يستطع الزواج بالفتاة التي يحبها بالرغم من كل ما يملك من قوة مجتمعية وصفات مادية ومعنوية تؤهله بأن يحصل على ما يريد دائماً وأبداً! وربما لذلك أو لأسباب أخرى كان دائماً ما يشعر بأن هناك ما ينقصه. يؤذيه نقصانه وعجزه، يقتله مجازه! ويفكر في حقيقته فتخيفه أقداره التي تُنسج له في تلك المخيلة التي لا يستطيع معرفة ماهيتها ونوعيتها والتي دائماً ما يحاول الهرب من التفكير فيها. الأسوأ من هذا كله أنه منذ مدة طويلة وحياته واقفة لا حركة فيها فلم تجرِ له أحداث ترضيه فهو إما يستوطنه السكون وإما يجتر الأحداث القديمة التي عاشها هو وأسلافه!ق

 يشتم المخيلة كثيراً، تلك المخيلة التي أُصيبت بتبلد قاتل لا يعرف أسبابه، ولكنه في نهاية الأمر تتراجع حدة شتائمه فهو يعلم بأن سعادته، بل ومصيره بالكامل، مرتبط بتلك المخيلة! يؤذيه أكثر تشتته في تلك المخيلة بين أحداث كثيرة وكبيرة كان يجب عليه أن يخوضها أو يمر بها، لا يقلقه التعامل مع تلك الأحداث فهو أمر بسيط، ولكن يقلقه هو هذا السكون الذي يعلقه على مقاصل الانتظار في انتظار خالقه وما يجود عليه به من أحداث وحياة!

زيادة الوعي الشديد وجرعاته المتتالية والتي كان خالقه يحقنها في ليل نهار في زمن سابق جعلت من نواف يتشجع كثيراً محاولاً التحليق خارجاً عن السرب محاولاً بذلك أن يمسك بزمام نفسه ليعيش حياته التي يريد لا كما يُراد له!

في لحظة سهو، ألتفت نواف للخلف فرأى الحياة على مرأى حلم أو هكذا ظن! تنهد كثيراً، همهم قائلاً: “هذا ما كنت أبحث عنه”! بقي محافظاً على حلمه طويلاً أو هكذا ظن فهو لا يعرف حقيقة الزمن الفيزيائي أصلاً وما يجري فيه! كانت الحياة تنبعث من شرفة الأمل والتي لا يعلم متى وجدت، بقي يتتبع تلك الشرفة ويراقب من فيها ويحاول أن يسترق السمع للأحاديث التي قد تدور فيها فقلبه قد تعلق بها وما يتخيله بأنه حلم لم يفكر فيه من قبل قد بدا وكأنه قاب قوسين أو أدنى!

مرت عليه أيام لا يستطيع قياس مسارها الزمني، كان يسترق السمع برهافة للأحاديث التي تدور في الشرفة، عدة مرات سمع جزءًا من حكايته أو حكاية أهله وهذا ما جعله يداوم على الجلوس قريباً من تلك الشرفة، بل أنه أتخذ له فراشاً تحت تلك الشرفة وأصبح هذا الفراش مكانه الوحيد الذي لا يفارقه أبداً!

وفجأة، وفي ليلة ديسمبرية باردة وعندما كان نائماً، سمع حديثاً عابراً وهامساً ينطلق من تلك الشرفة الوحيدة التي رآها في حياته، سمع اسمه يُنطق بهمسة جميلة. لم يفهم الحديث بمجمله، كانت الرياح شديدة وباردة جداً وأكثر الكلام تأخذه تلك الرياح قبل أن يستقر في إذن نواف. ولكن في لحظة سكون مؤقت لتلك الرياح سمع شيئاً غريباً لم يسمعه منذ أن وجد تلك الشرفة، كان حديثاً طويلاً وجميلاً، ولكن لم يرسخ في ذاكرته إلا تنهيدة دافئة انتهت بعبارة مربكة: “حتى أنا والله”!

تشتت نواف، تفتت نواف، انتبه بأن عمره الماضي لم يكن عمراً أصلاً وأن المخيلة ليست وطناً يليق بمن هو مثله وأنه يحتاج للحياة التي رآها عندما ألتفت للخلف! عندما حاول العودة للخلف، إلى ما رأى بدأت روحه بالتلاشي، جسده بالذوبان، أفكاره بالتسامي! كان في كل خطوة يخطوها يرى بأنه يسير للموت، الموت الذي كان يتمناه، ولكنه لم يتفهم كنهه! فهم أخيراً بأنه إذا أراد الخروج فعليه أن يتخلص من حياته، من كونه محض خيال ليعود جنيناً حقيقياً يولد في زمن آخر!

أخافه مجرد التفكير في معصية خالقه، لكن من ناحية أخرى كان قد فاض به صبره من إهمال ذلك الخالق له لوقتٍ طويل لا يعرف مدته! كان القرار صعباً عليه، ولكنه رأى بأنه النجاة من سجنه الذي سُجن فيه بغير إرادته! هكذا ظن، وإن كانت الحقيقة لا تعدو كونها تتلخص في ماهية تلك الحياة المُتمناه التي فتنته عندما شاهدها لأول مرة، فتنته كما فتنت غيره!

عاد جنيناً، غادر المخيلة إلى غير رجعة أو هكذا تمنى أو ظن، وعبر إلى مفازة الأعراف! فرح كثيراً في الأعراف في أيامه الأوّلْ. كان يظن بأن هدوء الأعراف، ووحشته وسكينته وخوفه مسألة قابلة للاحتمال باعتبارها فترة مؤقتة لا أكثر! مفازة الأعراف خافت أيضاً فهي لم تعتد أن يعبر بها مثل نواف عوضاً على أن يستوطنها لفترة لا تعلمها! رضي نواف بالأمر رجاءً بالقادم الجميل المُشتهى!

قضى نواف وقته الذي لا يشعر به يبذر الأمنيات التي يريد أن يعيشها، ولكنه لا يعرف ما هي الأمنية المشتهاة فهو لا يعرف شيئاً أصلاً، ومن كان مسئولاً عنه لم يعد يأبه به كثيراً، تركه معلقاً في الفراغ!

مع مرور الأيام التي لا يعيها على وجه اليقين بدأ وكأنه يشعر بعبثية قراره وتسرعه فيه. فالشرفة، التي وجدها قد انتقلت معه للمفازة بدون أن يجد تفسيراً لذلك الانتقال، قد بنت عناكب الغياب بيوتها عليها ولم يعد يستطيع أن يسترق منها حديثاً واحداً باستثناء أحاديث متفرقة لا يفهم منها حرفاً واحداً! والحياة التي لفتت انتباهه لم يعد يشاهدها لا لسبب سوى أن الأعراف مُحاطة بأسوار لا متناهية الارتفاع! طال انتظاره أو هكذا ظن.

في ليلة باردة تسرب إليه صوت لازال يستذكره، بل يعرفه جيداً، وإن كان ممتلئاً بالوهن والدمع، ويعرف نبرته: “والله عجزت”! آه العجز موت! هذا الشيء حعايشه كثيراً في احد المخيلة وانتصر عليه كل مرة، ولكنه وقتها كان فارساً يمتلك خياراته وأسلحته أما الآن وهو في الأعراف وهو في شكل جنين هلامي لا حول ولا قوة له. كيف يفعل؟ وهو يعايشه منذ أن دخل إلى هذه المفازة، ولكنه كان يعتذر لنفسه بأنه لا إرادة له فلا سبيل له الآن إلا بالصبر والانتظار لعل الأيام تعطيه حريته المُشتهاة!

بقي يرتجف في مكانه، الحياة لم تأت والأعراف بدأت تضيق عليه من أطرافها أو هكذا توهم! حاول الالتفات للباب الذي عبر منه منذ زمن، أصبحت المخيلة التي هرب منها حلماً لا يستطيع الوصول إليه فقد ألتفت ناحيتها، ولكن لا ويا للصدمة لم يجد شيئاً! كانت أسوار الأعراف مصمتة ولا متناهية الامتداد. هجم على المكان الذي ظنه الباب الذي عبر منه، لكنه لم يجد شيئاً! قطعة من السور اللامتناهي! حاول أن يصرخ، أن يتحدث، يسأل، يتوسل، ولكنه لم يستطع! لم يستطع لأنه جنين هلامي لا وجه له، لا فم له، لا صوت له! فقط روح، روح صغيرة جداً كانت تنفخ فيه قليلاً ومن ثم تخبو، روح فقط تبقيه على قيد الوعي لا أكثر!

كان يقتله الندم وهو لا يستطيع التعامل مع عجزه وهلاميته وقدرته المعدومة، وخاصة عندما يتذكر كونه شاباً وسيماً ومحبوباً، يعيش خيالاً جميلاً، خيالاً كان يغني عن واقع بئيس كواقعه الذي يعيشه الآن! حاول التخلص من هلاميته، من وضعه “الجنيني” الذي سجن نفسه فيه لكنه لم يستطع، بحث عن ثوب نواف الذي خلعه لكنه تذكر أنه قد خلعه خارج المفازة. مر من عمره زمن لا يعيه وفي ليلة باردة كانت ساكنة بدون أي رياح وإن كان بردها يقتل الروح بقسوة سمع حديثاً متقطعاً ومنهكاً وحزيناً من داخل تلك الشرفة! مع بداية الحديث بدأت الرياح تزمجر وتبعثر كل شيء في المفازة لذلك التصق بكل ما يملك بالجدار الذي يحمل الشرفة. انتهى الحديث سريعاً ولم يسمع منه سوى “طيب، نوفمبر”!

تساءل ما بينه وبين نفسه: “وما نوفمبر؟” لكنه لم يجد جواباً. عادت الشرفة لهدوئها فلم يعد يسمع فيها أي حركة. عاد من جديد يدور حول الأسوار اللامتناهية الامتداد للمفازة من الداخل ولا يجد فيها مخرجاً واحداً أو حتى نافذة صغيرة تأتيه بضوء بغض النظر عن مصدره! كانت الرحمة التي مُنحت له تكمن في هلاميته وخفته، فحركته سريعة، بل لا متناهية السرعة فلا جسد يثقله وبالتالي فلا أقدام تؤلمه من طول المسير. كان ينتقل من مكان إلى آخر بمجرد أن ينوي القيام بالانتقال، ولكنه انتقال لا معنى له!

بعد فترة أوحي إليه ولا يدري ما مصدر ذلك الوحي بأن حياته تكمن في آخر جملة سمعها تأتيه من تلك الشرفة و………….!

………………………..

“عشرين عام كنها يوم أو دون” محاولة اعتذار متأخرة من ابنٍ عاق!

26/ 1/ 1424

26/ 1/ 1444

عشرين عامٍ كنها يوم أو دون

عشرين عام والسنين استدارت

وفـ ليلة صرخت في لحظة جنون

وقطاة صمتي من فزعها استذارت

وطارت أسراب القطا تسجع لحون

ولا انتبهت بغفلتي، شلون طارت؟

تسجع بسماء الذاكرة بلحن موزون

ودارت بفيافي الذاكرة، ثم حارت

وطارت ومرت لها غصون وغصون

غصون صبرٍ من قهرها استجارت:

قطا قطا، والصمت ظالم وملعون

قطا قطا، وصروف الأيام دارت

قطا قطا، والدمع بالجفن مسجون

قطا قطا، وجروح الأيام جارت

قطا قطا، ويا ضيعة وشلون:

قفّت بي الأيام ثم استخارت…؟

            …..

يا بوي أنا من رحت غنيت محزون

وحيران حزني بالمعاليق ثارت

حنّت، حنين الخِلج ثم سالت عيون

وناديت أنا لشفاي، وبالعهد بارت!

ورجعت أبي منّك ولو شوية ظنون

أهدّيّ بها روحٍ من الفقد خارت

ولقيت ثلاث أشيا مليانة شجون

ورجعت أسأل عنّها شلون صارت؟

مقص مع ملقاط، والشعَر مغبون

وختمك ينادي وفرحتي به توارت

بالمقص قصيت حلمي عن الدون

وبملقاطك ألقط به هموم تبارت

وبختمك ختمت الصمت وسالت عيون

وقطاة صمتي من فزعها استذارت!

………….

٢٦/ ١/ ١٤٢٤هـ

٢٩/ ٣/ ٢٠٠٣

كعادته دائماً، يستيقظ لصلاة الفجر بواسطة صوت المؤذن في المسجد الذي بجواره، يصلى الفجر، يقرأ ورده من القرآن، يتناول قهوته المصنوعة على نار الحطب في بيت الشعر المسجون داخل سور الفيلا التي تسكنها العائلة، وهو يستمع إلى لحنٍ جنائزي مؤذٍ يعزفه قارئ النشرة الإخبارية من هيئة الإذاعة البريطانية في الساعة السابعة صباحاً! تدمير القصر الجمهوري، احتلال المناطق القريبة من بغداد، الهجوم على مطار بغداد الدولي! هذه أبرز عناوين الأخبار التي كان يهزّ رأسه بحزنٍ بالغ وهو يستمع لها!

أثناء إعداد القهوة يبدأ توافد الرجال من الجيران والجماعة والذين يستجيبون لنداء “النجر” وهو يدعوهم كل صباح مرحباً بهم كعادته كل فجر! يتناول فطوره مع الموجودين ويبقون في مجلسهم وتدور بينهم الأحاديث القديمة واستعادة حياتهم الذاهبة والتي غالباً ما تبدأ بـ: “رحلنا…، نزلنا….، قيّضنا….، ربّعنا” إلى صلاة الظهر في غالب أيامهم!

كان ذلك ديدنه فيما سبق من أيامه، ككل يوم، لكن في يوم السبت ٢٦/ ١/ ١٤٢٤هـ الموافق ٢٩ مارس ٢٠٠٣ حدث شيء خارج عن المألوف! كان ابنه الأقرب إليه عبدالله إذا أراد الذهاب للعمل يسأله قبل أن يذهب هل يحتاج أو يريد شيئاً معيناً؟ في ذلك اليوم قال له بأنه يشعر بألم في كتفه الأيسر، ولأنه كان قد نجا من جلطة في القلب قبل أربعة سنوات وأشهر، طلب منه ابنه أن يأخذه للمستشفى للاطمئنان.

في الساعة 8:05 ذهب مع ابنه القريب منه للاطمئنان على الألم. عندما همّ بالخروج من بيت الشعر قال له أحد الرجال الموجودين في مجلسه الصباحي: “لا تأخر علينا يا بو مناحي”، رد عليه والدي قائلاً: “لا ماني متأخر إن شاء الله، شوي وأجي”!

8:30٠ اتصل بي شقيقي ليخبرني بأنه سقط أمام بوابة مستشفى الملك فيصل! طلبت منه الطبيب الموجود لأسأله عن الوضع الصحي، كلمت المدير الطبي الدكتور حسن رحمه الله وسألته، فرد علي بكلمة واحدة فقط: “”serious!

عرفت بأن لحظة الوداع قد حانت أو قد أوشكت! ركبت سيارتي على عجل، كنت أسير بدون وعي مني، وإلى هذه اللحظة لا أدري كيف وصلت! كل ما كنت أعيه أن السماء كأنها قد اختفت خلف ملايين من أسراب القطا التي كانت تخرج من فمي دون أن أشعر، وكلها تصرخ بصوتٍ واحد: “قطا قطا….”

8:45 وصلت للمستشفى. سألت الدكتور حسن، أخبرني بأن القلب قد توقف ثم عاد للعمل!

9:00 نُقل للمستشفى العام بعد تحسن النبض قليلاً في سيارة الإسعاف ومعه شقيقي وتبعتهم بسيارتي. في الطريق اتصلت على مدير المستشفى لأخبره عن حالته، وعندما وصلت وجدت كامل الطاقم الطبي موجوداً في الطوارئ وعلى رأسهم مدير المستشفى الدكتور منصور اليوسف والمدير الطبي عدنان سلهب! أخبروني بأن القلب عاد للتوقف بعد الوصول للمستشفى للمرة الثالثة! عاد قلبه لدقيقة أو أقل ونظر إلي نظرة ما زالت تستوطن ذاكرتي وقلبي وكأني أراه لحظة هذه الكتابة الآن! عاد قلبه للتوقف للمرة الرابعة!

وقفت أمامه لا حول لي ولا قوة إلا بالله، ثم أماني بأن تعود أسراب القطا التي تحوم حول رأسي لفمه، وتخرج منه مرة أخرى مؤذنة بعودته للركض مجدداً في دروب الحياة! كميات كبيرة من الايبنيفرين حُقنت في وريده لعلها تساعد قلبه للعودة للعمل، ولكن لم تبدر من القلب أي استجابة! استخدموا جهاز صدمات القلب الكهربائي، ولكن لا استجابة أيضاً!

كان جميع الزملاء موجودين حوله، بداية من مدير المستشفى الدكتور منصور وكبير الأطباء د عدنان واستشاري القلب د محمود العوضي الذي كان يقوم بعمل الانعاش القلبي له بيده، وغيرهم من الزملاء، ولكن…! بعد أكثر من ربع ساعة قرر الدكتور محمود نقله للعناية المركزة. كان السرير يتحرك ومعه الدكتور محمود وهو مستمر في عملية الانعاش القلبي. أُغلق باب العناية المركزة وبقيت أنا وأخي عبدالله في الخارج ننتظر! كان يتلبسني في تلك اللحظة شبه يقين بأن هذه اللحظة الأخيرة التي سأراه فيها، ولذلك قررت الاحتفاظ بآخر مشهد له في أقصى مخابئ الذاكرة. كان ينظر لي بحب وخوف وكأنه يريد أن يقول شيئاً ولا يستطيعه! كانت تلك النظرات في آخر مرة عاد قلبه للعمل قبل يلوّح مودعاً لسفرٍ لا أوبة منه!

10:30 نصف ساعة مرّت كدهر أو أطول، بعدها خرج الدكتور عدنان من قسم العناية المركزة مُعزياً لشقيقي ولي، قائلاً بأنهم فشلوا في إعادة القلب للعمل لأكثر من نصف ساعة من الانعاش القلبي! قال كلاماً كثيراً لم اسمعه. لقد انتهى كل شيء من المُمكن أن يستحوذ على سمعي أو انتباهي.

بعد أن انتهى الدكتور عدنان من كلامه، شعرت ببرودة شديدة في ظهري وبعدها شعرت وكأنه يسقط في الفراغ. لا ظهر لي، هذا ما شعرت به لحظتها والعرق ينز من جبهتي والنار تضطرم في صدري وألم حاد في الحلق، حتى أنني أحاول أن ابتلع ريقي ولا استطيع!

لم أبكِ! ربما لأنني بإرثي البدوي العميق ووصايا أمي بأن الرجل لا ينبغي له البكاء. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ربما محاولة لتمثل قول السمؤال: “إذا خلا منا سيد، قام سيد”، مع الفارق طبعاً، ولأن البدوي عندما يموت والده، يُصبح “هو” والده بطريقة أو بأخرى!

توجهت لأخي لأعزيه وأعرف بأن كل الكلام لا معنى له في مثل هذا الموقف، وتحديداً بالنسبة له فهو الرفيق اليومي له في الحِل والسفر والقنص! كان شعوري مبدداً بين فجيعتي وفجيعة شقيقي وفجيعة والدتي رحمها الله، المرتقبة، رفيقة عمره لأكثر من خمسين عاماً.

لأكثر من سنة وأنا أغص مرات ومرات قبل أن أُتبِع كلمة “والدي” بـ “رحمه الله”! وثلاثة عشرا عاماً أُخرى حتى تجرأت لأنظر لصورته دون أن أشيح بصري بعيداً عنها بلا شعور!

…….

يا والدي….

كان “سبتاً” فادح الخسارة وعظيم الحزن أعادني لسبتٍ قديم جعلني أكره يوم السبت مرتين! المرة الأولى كانت يوم السبت 1/ 9/ 1419هـ عندما دخلت لفناء المنزل عائداً من الخارج قبل آذان المغرب بساعة لأجدك ممدداً على البلاط وقد توقف قلبك عن النبض وأبناء أخوتي الصغار مجتمعين حولك وعلى وجوههم علامات الاستغراب. وعندما شاهدوني قالوا بصوت واحد: “عمي، شِف جدي نايم على البلاط”! لم يكذبوا، كنت نائماً فعلاً، ولكن بدون رغبتك.

كاد أن يقتلني منظرك وأنت ممدد على الأرض! أمسكت بيدك اليمنى، كانت ساخنة، وهنا عادت الحياة لقلبي! وضعت أصابعي على عنقك ولم يكن هناك أي مؤشر لوجود نبض، وضعت أذني على قلبك، ولا نبض أيضاً! عرفت بأن القلب قد توقف للتو، فبدأت بسرعة في إنعاش القلب بالضغط بباطن الكفين ثلاث مرات في منتصف الصدر وإلى اليسار قليلاً كما تدربت على يد الدكتور عبدالغني. كان الفم مغلقاً بأحكام، حاوت أن أفتحه، ولم استطع بسبب التصاق الفكين ببعضهما بقوة! ترددت قليلاً في استخدام القوة مع وجهك الشريف، ولكني اضطررت مُجبراً لذلك! نجحت في أن أفتح فمك ومن ثم أعطيك قبلة الحياة، وإن كانت تلك القبلة مرة ومحزنة في وقتها، ولكني الآن وبعد مرور أكثر من أربعة وعشرين عاماً أجدها أجمل وألذ قبلة قبلتها لك!

كنت أضغط على صدرك ومن ثم أمنحك قُبلة الحياة في فمك، وأنا تمرني لحظات التدريب في مادة الإسعافات الأولية التي درستها في الكلية وكلمات الدكتور عبدالغني وهو يخاطبني: ممتاز يا عبدالعزيز، ربنا يجعل على أيدك إنقاذ حياة إنسان ما”! دقيقتان مرت، من الانعاش القلبي حتى عاد القلب لضخ الدم بحمد الله.

 عندما عاد التنفس خرج مع أنفاسك بعض الزَبدْ، وكأنني رأيت بأنه قد تحوّل لأسرابٍ من القطا، أو هكذا خُيّل إلي! غادرت شفتيك واستوطنت صدري. اتصلت على الإسعاف ونُقلت للمستشفى والذي مكثت فيه أسبوع تقريباً قبل أن تخرج على قدميك وتعود كما كنت، عُدتَ للرجال والوجار والدلال، ولأحاديث لا متناهية البذخ والجمال!

من ناحيتي لم أغفرها ليوم السبت أبداً! وعلى ما يبدو فإنه كان يبادلني نفس الشعور، بل كان يوعدني بسبتٍ قادم، سبت أشد ظلمة وألم من سابقه! منذها وأنا في كل ليلة أدخل لبيت العائلة فأول ما أنظر إليه هو مكانك المفضل خلف “الوجار”، وكأنني أخاف أن أدخل ولا أجدك!

يا والدي….

بعد شهر تقريباً من وفاتك، فتحت الحقيبة الخلفية للسيارة فوجدت ما جعلني أتراجع ثلاث خطوات للخلف! وجدت “صديريتك” وثوبك وحذاءك والتي كنت ترتديهن عندما سقطت عند بوابة المستشفى! وقد أخذ المقص حقه من الصديرية والثوب وذلك لسرعة تخليصك منهما للتعجيل بإسعافك. كان المنظر صادماً لي، فقد أعاد كل شيء وكأنه حدث للتو! أغلقت الحقيبة وعدت لمنزلي وأنا لست أنا. تركت الحقيبة مغلقة لأكثر من شهرين، وبعدها لا أدري من الذي طلب مني التخلص منهما فأطعته بدون وعيٍ مني! إلى هذه اللحظة أشعر بغصة فقدي لهم!

بعد عدة أشهر وأنا أفتح أحد دروج مكتبي وجدت ثلاثة أشياء تخصك، لا أدري كيف وصلت إلي. وجدت مقصك الصغير والذي تستخدمه لتشذيب الشارب وملقط الشعر والختم! احتفظت بالختم في حرز عميق لا يعرف مكانه أحد، واستخدمت الملقط والمقص كما كنت تستخدمهما تماماً.

أول ما أبدأ فيه هو نزع الشعرة الوحيدة في الشامة التي تنام في خدي الأيمن، وهي الشامة التي ورثتها منك بنفس المكان ونفس الحجم! استخدم الملقط والمقص كما كنت تستخدمهما تماماً. استعيد رحلتي معك عندما كنت صغيراً وأنا أقف أمامك وأشاهدك تحاول ترتيب النافر من الشعر في وجهك الكريم، وأحاول أن أقلدك في مخيلتي. ولدي الصغير وبعد أكثر من ثلاثين عاماً رأيته يجلس أمامي وينظر لي بتركيز ويحاول أن يقلدني وأنا أحاول ترتيب النافر من الشعر، تماماً كما كنت أفعل وبنفس الحركات التي كنت أقوم بها وأنا في مثل سنّه! لا أدري من الذي قال: “إنما نحن صورة عن أباءنا”!

يا والدي…..

كل الرجال الموجودين عندك بالمجلس تبعوك واحداً أثر واحد، بعد أن تطاول عليهم الزمن في انتظار هذه الـ”شوي” أن تنتهي! متأكد بأنهم سيعذرونك وسيغفرون لك إخلافك بموعدك وإنه ليس بملكك!

يا والدي…

عشرون عاماً مرّت يا والدي لآخر مرة عانقت فيها نظرتي، نظرتك. عشرون عاماً وأنا في كل صباح استعيدها بصمت، وأتمنى لو واتتني القدرة على قراءتها والله!

يا والدي…

أشياء كثيرة لا استطيع التعبير عنها، وأشياء أكثر من الذي لا يُقال يا والدي! اعتذر لك أيها العظيم عن سوء لغتي، عن فشلي في التعبير، عن ضعف حرفي وعدم قدرته على حمل المعنى الذي تستحق.

يستوطنني الصمت هذه اللحظة كما كان يستوطنني في حضورك البهي! لا أقول إلا سامح الله “قطاة صمتي” وسامح الله من “استذارها”

يا والدي…

يموت في صدري الكلام جوعاً للمعنى الذي لا يستطيع أن يحمله، ولذلك فمن الخيرة لي أن أصمت هذه اللحظة!

أنا الذي من الصمت أتيت، وللصمت أعود!

أيام منذورة للموت!

الإهداء:

إلى صاحبي الذي أفل!

كان الأجدى لك أن تموت قبل هذا العذاب الذي قتلك قتلةً لا تليق بمن هو مثلك، ولكنها حكمة الله، إلى جنات الخلد بإذن الله بلا حساب ولا عقاب!

إهداء آخر:

للصوت الميت الذي يجادل صداه بعبثية لا معنى لها!

الصوت:

شاعر على قيد الأمل، أربكه ظلّ

وكان يتوجس من خيانة خياله

يخاف لا يفضح جنونه إذا طلّ

يخاف شيٍ يمنعه عن كماله

كان بمفازة صمته، العمر، ما مل

يكتب، يشخبط، يرتحل في سؤاله:

يسأل: متى “حياتي” أنا تحِلّ؟

ويضحك على نفسه بتمثيل داله

كان ينتظرها، بس، لو أنها تهلّ

أحلام عمره، فرحته، احتفاله!

الصدى:

وشاعر

وش فقد؟

ما فقد غير ظلّه

ما فقد غير خلّه

ما فقد إلا حياته

وكل موته فـ أمنياته

وشي باقي ما أستحلّه

وشاعرٍ

غرته بيض النوايا

وأنطلق معها يصيح:

هاتوا “كلي” يا أهلّة!

وكل صوتٍ فيه ملّه

وينتظر صبره يطول

وصبره خانه ما استدلّه!

الصوت:

يعني إذا قالوا ترى هالقمر هل

خمسٍ مرّت وعشرة من لياله

قالوا نسيته، قلت لا لا بعد قِل:

من علّم النسيان يخون حاله؟

كان يتهجى صوته المر، يبخَلّ

بخيل خايف من تهجّي احتماله

فجأة سأل! لكن من صوته أختل

ليت المفازة تستعيد اختزاله

الصدى:

وأنت شاعر

ما ذبحك إلا الغياب

وأنت في صمتك تكابر

وأنت شاعر

ما فتتك إلا الصبر

وأنت كل العمر صابر

وأنت شاعر

ما خذلك إلا اللي تحب

وِسْجَنك في قلب عابر

الصوت:

تفرح، تبسّم لكن همومك تطل

رحّب بها وخل السؤال لمُحاله

يا ميتٍ ما فيك صاف الوله دل

غير الضياع وسكته وارتحاله

كانت عيونك ظل ما مثلها ظل

وصارت عيونك جمر فزّ اشتعاله

يالمنسكب دمعٍ وكل يوم ينهّلّ

دعاء يسافر فـ دمعته وانذهاله

يا ميّتٍ صلى وصلاته بها ضَلّ

ما ينفع الميت كثير ابتهاله!!

الصدى:

كنت أريدك يا انتمائي

وكنت أصيح بك:

أنت مائي

وأنا بذرتك الجميلة

دخيلك لا تخليني للعطش

ما وراي إلا موتي/ اشتهائي

ما وراي إلا فقدك/انتهائي

والله ضاقت بي السبل

والسراب اللي أسرني

حطّم قاصي كبريائي

وأنا من بعدك يا انتمائي

مات بي كل شي

من بداية دمع “ألفي”

حتى ابتهالات “يائي”!

يا انتمائي:

طالت دروب المدينة

والسكينة فارقت وجه السفينة

ما عدت لي أجمل وطن

من طحت من مركب دعائي!

الصوت:

مجنون، مخبولٍ، في حيرته ضل

ضيّع دروبه، عزّته.. واعتداله

طاحت أوجاعه وأنكسر بدمعته ذِل

ما كان واعي لكل شيٍ جرى له

بكى كما طفلٍ صغيرٍ مدللّ

طفلٍ بصبح العيد مضيّع رياله

شاعر، بس أغبى من الكل، والكل

شافوه، وعابوا به دروب الجهالة

الصدى:

وفيوم مرّته “الحياة”

وقالت بأعلمك كيف تلعب الشطرنج

وكن فيه شي داخله قال له: إنّج!

بس هو ما سمع

أو إنه ما انتبه

كان مليان بدمع

وكن قلبه اشتبه

اشتبه في عقله المسكين:

هو عاقل وإلا بعد مجنون

هو واعي وإلا بعد مفتون

وحتى الوجه اللي شافه

ما يذكر منه إلا عيون

وكانت كل مرة تقول

خلاص نحرك البيدق

ونهدم أسوار القلعة الحصينة

ونعيد سيرة ألف ليلة وليلة

ونذبح هالملك!

لكن قال الوزير:

نرجع للمربع الأول

نعيد اللعبة من الأول

أنا أخاف عليك يالبيدق المسكين

أخاف عليك يالساهم ببيتين

أخاف عليك تستعجل المشوار

وبعدين كل شي يتحوّل!

الصوت:

شاعر في ساحة خياله فرش زل

وسوى قهوته ثم نادى مُحاله

ثمٍّ تنبه للعبث وأنفجر غلّ

ولعن ضعفه، ووحدته، وانخذاله

حاول يضحك بس هالصدر معتِّلّ

صدره شمالي، بس خانه شماله

الصدى:

من قبل أعرفك

ما كنت أعرفني أنا

ومن بعد ما عرفتك

صرت أنكرني أنا

أكرهني أنا

وما يخوفني من أنا

إلا أنا!!

الصوت: صمت أخير!

كانت قلعة من حلم،

 حلم والله ما اكتمل

كانت قلعة من حلم،

 ومات في ليلة أمل!

قلعة بجدارٍ منثلم

خانه زمانه/ ما احتمل!

قلعة مبنية بألم

ودم عيّا “يندمل”!

الصدى:

يا ميّت لو تعرف الشطرنج

ما مت

يا بيدقٍ جداً غبي

بس تركض للأمام

ولا يدين لمحتك

تعيش في الأحلام

وفـ الصبح فضحتك!

وتغرق في الأوهام

وبصمت ذبحتك

ومن القلعة دمٍ يسيل

وفيل واقف مستجير

والملك جداً حزين

ملك بلا مملكة

بلا بيادق أو حرس

ولا أفيال ولا فرس

ساكت ويبيها تزين!

بس الوزير غير

والوزير جداً قاسي مختلف

دايم يرجع للمربع الأول

وفي يوم قال خلاص

المربع مات

وما في وقتٍ للرجوع

كانت الساعة عشر

وسبت يلعنه ألف سبت

وما حدٍ غيره يبّت

وسنين خمسة مع عشر

ما رحمت بيدق صغير

بيدقٍ خايف غرير

قالت له بكل هدوء:

كل شيٍ فات، فات

حياة حلوة صحيح

بس كانت “كش مات”!

ومن هذيك اللحظة “مات”!!

مرثية أخيرة لموت لن يتكرر!

نص موال عمري للشاعر هلال سلمان الشرفات

قراءة في حياة صاحبي الميت رحمه الله وغفر له وعفا عنه!

عندما يسمع مُدنَف ما متجه لمصيره المحتوم مثل هذا البكاء يسترجع حياته الميتة التي تركها خلفه، ويخاف أن يفكر في الالتفاف للخلف لا أن يلتفت أصلاً منذ البدء! مجرد الالتفات يُعيده للمربع الأول الذي سقط في جُب الغياب!

يحاول الهروب، ولكن هناك شيء ما يشدّه إلى ما يشبه كتابة مرثية أخيرة لموتٍ لن يتكرر!

يستسلم لمصيره فيصب هذا البكاء ذنوبه في إذنه عشرات المرات! يخيفه أن يرى كل ما خلفه يابساً، ذابلاً، وميتاً دون أن يترك أثراً خلفه، حتى لو كان ذلك الأثر حفنة من رماد لا تلبث رياح النسيان أن تحوّله إلى هباء! قد يكون ذلك هروباً مؤقتاً من الموت الذي يشتعل داخله. ولكنه مع ذلك يظن أن مثل هذا البكاء الظاهري أو حتى براكين البكاء التي تنفجر داخله في كل ثانية منذ وهنٍ لا يريد أن يتذكره، مجرد تناسل للموت من موتٍ سبقه، من موتٍ آخر سبقه، وأن هذه العملية المؤلمة هي متوالية عبثية وسرمدية!

يظن أن رؤية الإنسان لنهايته بطريقة واضحة شيء لا بأس فيه، بل أكثر من رائع لأنه يأمن على نفسه من الأحداث المفاجئة التي قد تقتله وهو يركض في مضامير الأمل دون أن يعرف حقيقها من مزيفها! يظن بأن تلك النهاية أكثر رقياً واحتراماً من ترك ذلك الميّت معلقاً على مقاصل الانتظار وموته المتناسل منه في كل لحظة!

وعن القصيدة التي تُرعبه وخاصة تلك التي تكون أحد قوافيها نون مشددة وما قبلها ساكن، مثل هذه القصائد تنزل كمطرٍ أسود لا رحمة فيه ولا نماء، فقط ذلك الماء الملوث الذي يُنبت أزهار الموت، واليأس، والخوف، والفراق! تخيفه القصيدة التي تكون كذلك ولذلك منذ وقت لا يتذكره يهرب من تلك القصائد من البيت الأول! هذه القصيدة نجحت فيما فشلت قصائد أخرى، فقد نجحت في القبض على هذا المُدنف قبل أن يهرب! كان “موال عمري” هو العنوان الذي توشحت به القصيدة كافياً ليكون شبكة صيد محكمة لاصطياد ذاك المُدنف وأكمل شد خيوط الشبكة … “اللايمات الطواري….” البيت الذي زلزله ومن ثم أدخله لغيبوبة لم يفق منها أبداً!

اللايمات الطواري لأدلج الليل جن

              تصببن لين ما جد السهر ملّني!

وعن “اللايمات” يعود ولها ولـ ليلها السرمدي الذي لا يعترف بالسهر ولا يراه، تنهمر كسحابة ليل باردة جداً تنسكب وكأن السماء قربة أنشقت وسال منها الماء بكل تشكلاته فأغرق المكان والعيون التي لازالت غارقة بالماء منذ زمن لا يريد تذكره! الماء، ذلك الماء الذي يفعل به الأفاعيل بصمتٍ لا يُغري أحد بالالتفات إليه. في آخر الليل ينسكب به كل ما يمكن أن يؤذيه، يفتته، يقتله كل لحظة، فكل ذكرى وكل قصة وكل ضحكة وكل وعد يعود له وكأنه سمعه أو قاله هذه اللحظة فيشعر بأن الموت يتناسل داخله لملايين السنين والتي تستنسخ نفسها بمتوالية عبثية أخرى لا يد له ولا حيلة فيها!

وكلما طال الليل رافقه السهر وهو يهزأ به وبصاحبه الذي لا يملك من أمره شيئاً يستطيع فعله. وكلما طال السهر تزيد “اللايمات” بانهمارها غير المحدود بمدى معين، سوى المدى الذي مهمته الوحيدة القتل والقتل فقط! والسهر لا يمكن أن يمل منه، لأنه وفي لحظة “تجلّي” نادرة اعترف ذات انكسار بأنه “كائن مخلوق من سهر”!

غصن الشوارد تفرع، قلت يا كود حن

                 إما تهِدّ الضلوع العوج أو خلني!

وغصن الشوارد دائماً ما يحمل البشارة بالموت، الموت الذي يتباهى فيه وكأنه يحمل لك الفرح بأجمل صورة ممكنة لذلك لا يمكن في يومٍ ما أن يحمل أحد أطرافه أي “حنيّة” ممكنة حتى ولو على سبيل المجاز، تلك البشارة التي قد تعيدك لـ”للحياة” أو تعيد “الحياة” لك! وعندما أدرك الشاعر بوعي أو بدون وعي منه أن هذا الموت متناسل فأراد الحرية لذلك الغصن فأطلق له الخيار بطريقتين:

‏”إما تهِدّ الضلوع العوج أو خلني” ولكن هل ذلك الغصن البائس سيتركه؟ لا يظن ذلك، فالغصن يحمل الموت والموت فقط حسبما يعيش ذلك المدنف! يؤمن بأن لا “بشارة” ستنجيه من مصيره! فيسير بثقة مفرطة وطمأنينة لا متناهية قد يحسده عليها كل من يعرف مصيره!

لا هنت يا جرحي اللي عند مسراي ونّ

               أرقب سهيل اليماني وإن بدا سلّني

وذاك المدنف جرحه لا يفارقه أبداً، فلا يستطيع الانفكاك منه، فهو يخالط أنفاسه وسكناته ولا يستطيع أن ينعتق منه ولو لثوانٍ معدودة. يهادنه، وإن زاد بألمه يُبكيه ذاك البكاء الصامت المرير، البكاء الذي يقتله في كل دمعة وآهة، ذاك البكاء الذي ينفيه عن معناه!

ولا يشغله مراقبة “سهيل” وبينه وبين ظهور سهيل سنين ضوئية أو لا متناهية حسب تقويم ذاك المُدنف، فلا غيث قادم سيغيث قلبه، كما أن سهيل لا قيمة له بدون “الثريا” والتي هجرت “ثراها” المثمر بها فأصبح هشيماً تذروه الرياح أو هكذا يظن!

ترفّق بقهوة الخفاق والنجر دنّ

ما عاد باقي عليك إلا أنك تزلني

 وقهوة الخفاق لا تنضج إلا بعد “حمسها” على جمر الروح، ذلك الجمر الذي يجعلها تُخرج أجمل ما فيها ثم تعود بأسوأ ما فيها، ويتراوح طعمها ما بين ماء الروح والموت الزؤام!

بعد أن تبرد أو هكذا يُخيل له يقوم بتفتيتها بذاك النجر الذي يذهب مع صوته للموت ويعود، يغرق بتفاصيلٍ دقيقة جداً لأشياء كان يتمناها أن تحدث ولم تحدث، يشاهد ذلك الوجه الهلامي وهو “يُفتت” بين ذرات القهوة وهي “تنطحن” بقسوة تحت ضربات يد النجر!

 يتداعى للبكاء وهو يفتقد ذلك التشجيع بـ “جوّد له يا بن كثير” لـ “يدنّ” النجر مرات أخرى فيرى الهُلام يتحول إلى هباء وتبقى صرخاته هائمة في الهواء بعد أن فقدت من يغنيها!

“يدنّ” للمرة الثانية فيفتت “عرب القشران” إلى قشور يشربها النجر فتتحد مع نحاسه اللامع لتعيش بقية عمرها هناك حيث لا “حياة” ولا “موت”!

يكرر فعلته فتنتحر الكثير من الوجوه النائمة في الذاكرة، تلك الوجوه التي بكت الهُلام ومصيره، الذين عاشوا بجانبه لحظة بلحظة. يسكب على ماء الروح ماء الصمت فيختنق هذا بهذا وينشغل الأخير بالقهوة المطحونة ليعطيها ذلك المعنى المزيف للذة أو للحب أو لطعم لا يمكن تمييزه أو حتى تسميته!

“تزِلّ” ذلك الشيء وتحاول أن تشربه فتجده يشربك ومن ثم يقذف بك في الهباء! تقف “آههه” وحيدة تشتكي من غربة المعنى بعد أن هجرتها “الحياة”! هذه اللحظة ينتبه المُدنف بأن القهوة لم تعد تعني له شيئاً ضرورياً لـ”العيش” بعد أن فقد “الحياة”، فكل شيء يتناوله لا لذة فيه ولا طعم،

تحاول أن تستعيدها فتفشل، فتدرك بأن لا معنى يستطيع الوصول، لا معنى يعيد الحياة للحياة فتصمت، تصمت ذاك الصمت الذي يرفض التعريف أو التصنيف، تصمت وسؤال يقتلك بقسوة ويزيد موتك موتاً أكثر قسوة أيضاً: “لماذا فعلت كل ما فعلت وأنت تعرف نتيجة فعلك سلفاً؟”، يتحشرج الكلام بقلبك ولسانك، ولكن!

في آخر الهزيع من الموت تسترجع، “ليت الشوارع تجمع اثنين صدفة” وأنت تمشي في طريقك اليومي العبثي القصي تبحث فيه عن “كيانك” الذي فقدت! تتمنى أن تخطف نظرة واحدة فقط لتلك العيون الجميلة، الساهمة، الساهية، الوجلة، المترقبة، الواسعة، المرهقة، المشتتة، المتعبة، التي استوطنها الأرق والخوف، تلك العيون التي حجبت بإشعاعها والاسرار التي تحملها فضاء المكان والزمان، بل وحتى الوجه الذي تنام داخله وتفاصيله! شيء لا يصدق، والله، ولكن هذا ما حدثني به المُدنف قبل أن يغادرني للمرة الأخيرة دون أن استطيع فعل أي شيء قد يسمح له بأن يبقى على قيد “الأمل” و”الحياة” و”الحب” و”الحلم”!

ههنا يتوقف المُدنف عن الاستماع، بل عن الانصات، وبالتالي عن الكلام، لأنه يرى بأنه غير معني بباقي القصيدة لأنه لم يخلق لها ولم تخلق له، هكذا يرى الأمر ببساطة!

كان آخر ما همس به هو استغرابه من تسمية القصيدة بـ”موال عمري”، قال لي: “هي موال موتي يا صاحبي”، هي أجمل لحن جنائزي أتمنى أن تعزفه عند موتي!

.

.

.

لقد فعلت كل ما طلبته مني يا صاحبي!

هل فعلته كما تتمناه وكما تستحقه؟

لا أدري، سلام الله عليك يا صاحبي وسلام لروحك وأدعوا الله أن ترقد بسلام!